عن الجدل ، كما روى أنه عليه السّلام خرج على أصحابه فرآهم يتكلمون في القدر ، فغضب حتى احمرّت وجتناه وقال : إنّما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا ، عزمت عليكم أن لا تخوضوا فيه أبدا « 1 » . لان النظر غير الجدل « 2 » . سلّمنا لكن لا نسلّم كون الجدل منهيا عنه مطلقا ، إذا النهى انما ورد في الجدل الباطل المشتمل على الشبهات الفاسدة والمقدمات الكاذبة المدلّسة لترويج الآراء الباطلة ودفع العقايد الحقّة ، كما قال تعالى :
وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ
« 3 » ، وقال :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
« 4 » .
اما الجدل بالحقّ فليس منهيا عنه قطعا ، بل هو مأمور به ، لقوله تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
« 5 » ، وقوله تعالى :
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
« 6 » . وقد جادل عليه السّلام لابن الزبعرى « 7 » كما روى أنه لمّا نزل قوله تعالى :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
« 8 » ، قال عبد اللّه بن الزبعرى : قد عبدت الملائكة والمسيح أفتراهم يعذّبون ؟ فقال عليه السّلام : ما أجهلك بلغة قومك ! أما علمت أنّ ما لما لا يعقل ؟ !
وجادل علي عليه السّلام قدريا قال : انى املك حركاتى وسكناتى وطلاق زوجتي وعتق أمتي ، فقال عليه السّلام : أتملكها دون اللّه أو مع اللّه ؟ فإن قلت : أملكها دون اللّه ، فقد
هامش
( 1 ) - « السنن » للترمذي ، ج 3 ، ص 300 .
( 2 ) - لان النظر هو التفكر في حقايق الأشياء لمعرفة ما هو الحق منها ، والجدل هو البحث والمناظرة لغلبة الخصم . ( منه ره )
( 3 ) - غافر ، 5 .
( 4 ) - الحج ، 3 .
( 5 ) - النحل ، 125 .
( 6 ) - العنكبوت ، 46 .
( 7 ) - في « مجمع البيان » ج 7 ، ص 64 : « ولما نزلت هذه الآية أتى عبد اللّه بن الزبعرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال : يا محمد ، ألست تزعم أن عزيرا رجل صالح ، وأنّ عيسى عليه السّلام رجل صالح ، وأن مريم امرأة صالحة ؟ قال : بلى ، قال : فانّ هؤلاء يعبدون من دون اللّه فهم في النار » . ؟ وجاء أيضا بعبارات مختلفة ، راجع « الدّر المنثور » ج 4 ، ص 339 و « نور الثقلين » ج 3 ، ص 459 .
( 8 ) - الأنبياء ، 98 .