تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعه رسائل فلسفى صدر المتألهين — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
يدل عليه الحديث ، فان الحديث في ظاهره يدل على أنه تعالى في الأزل كان مخفيا عند عدم الخلق . هذا تقرير السؤال . قلت : الجواب عن هذا السؤال من وجوه : الأول : ان المراد من الخفاء عدم عارف به سواه ، فلما أراد كثرة العارفين به خلق الخلق . فعبّر عن عدم العارف بالخفاء ، فكأنه قال : « كنت كنزا عزيزا ، وجوهرا شريفا ، لكن لا عالم بي غيرى ولا عارف بوجودي سوائي » « 1 » . فاطلق الخفاء وأراد لازمه ، وهو عدم العارفين به . فالمعنى « كنت ربّا محسنا والها منعما مفيضا « 2 » ، ولا عالم بي ولا عارف بكمالى وجمالى ، فأحببت ان اعرف ، فخلقت الخلق لا عرف » ، وهذا معنى صحيح لا اشكال فيه . الوجه الثاني : ان للأشياء وجودين ، وجودا علميا ، ووجودا خارجيا ، فالوجود العلمي هو المسمى بالأعيان الثابتة ، وهي أزلية قديمة ؛ والوجود الخارجي محدث ، فخفاء اللّه تعالى بالنسبة إلى الأعيان الثابتة في الأزل ، فان الأعيان الثابتة موجودة مع اللّه لكن لا علم لها به ، فيكون اللّه مخفيا بالنسبة اليه . فلما أراد ان يعرفه الأعيان الثابتة اخرجها من الوجود العلمي إلى الوجود الخارجي ليعرف اللّه تعالى ، إذ لا يعلم اللّه تعالى الّا بالوجود الخارجي . الوجه الثالث : قال في « الصحاح » نقلا عن الأصمعي : « خفيت الشيء بمعنى كتمته ، وخفيته بمعنى أظهرته وهو من الاضداد » . قوله : « كنت كنزا مخفيا » يجوز ان يكون المراد من الخفاء معنى الظهور ، فمعنى الحديث حينئذ يكون : « كنت كنزا ظاهرا لنفسي ، ولم يكن بي عارف سوائي ، فأحببت ان يعرفني غيرى فخلقت الخق » . الوجه الرابع : يجوز ان يكون المعنى : كنت ظاهرا « 3 » في غاية الظهور خفيا « 4 » ، فكأنه
هامش
( 1 ) - خ : لا عارف بي غيرى ، ولا عالم بوجود سوائي .
( 2 ) - خ : مفيدا .
( 3 ) - خ : كنت كنزا ظاهرا .
( 4 ) - خ : في غاية الظهور ، والشيء إذا بلغ غاية الظهور خفى .