المقتضية للأعمال الشهوية والغضبية والبهيمية والسبعية ، فلا جرم يكون تصوراتهم مقصورة على اغراض حيوانية تغلب على نفوسهم ، ويحشر « 1 » على صور تلك الحيوانات في الدار الآخرة :
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
« 2 » . يحشر بعض الناس على صورة يحسن عندها القردة والخنازير . وهكذا يتصورون بصورهم الحقيقية الأخروية لأهل الكشف وأصحاب الشهود ويعاينون لهم في صقع باطنهم على أشكال وهيئات تقتضيها صفات النفوس وهيئات الأرواح ، وذلك لظهور سلطان الآخرة على قلوب أهل الحق ،
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
« 3 » .
والتحقيق في ذلك : ان كمال الانسان - بحسب الاعمال المتضادة الآثار - التخلص عن موجباتها والتشبّه بالملائكة في التنزه عنها ، وهم منفكّون عن هذه الأوصاف المتضادة ؛ وليس في وسع الانسان امكان الانفكاك عنها بالكلية ، فكلّفه اللّه تعالى بما يشبه الانفكاك وما هو بمنزلته وهو التوسط ؛ فان المتوسط بين الضدين كأنه خال عنهما كالماء الفاتر لا حارّ ولا بارد مع عدم خروجه بالكلية عن جنس الحرارة والبرودة ، كالجرم الفلكي ؛ فنسبة المعتدل العنصري في الأوصاف الجسمانية إلى الفلك كنسبة العدل في الأوصاف النفسانية إلى الملك ؛ لأن الملك متقدس عن الاخلاق المتضادة بالكلّية ، والمتوسط فيها متشبّه به نازل منزلته فالصراط المستقيم هو الوسط الحقّ بين هذه الأطراف ، ولا عرض له ، فهو ادقّ من الشّعر ، ولذلك [ الف - 2 ] خرج من القدرة البشرية الوقوف عليه ، فلا جرم يرد أمثالنا ورودا ما يقدر الميل عنه ، لقوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
« 4 » .
هامش
( 1 ) - يحشرون - ظ .
( 2 ) - التكوير ، 5 .
( 3 ) - الرعد ، 4 .
( 4 ) - مريم ، 71 . أيضا « المظاهر الإلهية » ص 74 ، « اسرار الآيات » ص 187 ، مفاتيح الغيب » ص 639 .