فصل [ 1 ] في ان عذاب القبر حق بقول مجمل
كل من شاهد بنور البصيرة باطنه في الدنيا لرآه مشحونا بأنواع المؤذيات وأصناف السباع ، مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء وغيرها ؛ وهي التي لا تزال تفرسه « 1 » وتنهشه ان سهى عنها بلحظة ؛ الّا ان أكثر الناس محجوب العين عن مشاهدتها ، فإذا انكشف الغطاء ووضع في قبره عاينها ، وقد تمثّلت بصورها واشكالها الموافقة لمعانيها ، فيرى بعينه العقارب والحيّات قد أحدقت [ به ] . وانما هي ملكاته وصفاته الحاضرة الآن في نفسه ، وقد انكشف له صورها الطبيعية « 2 » ، فان لكل معنى « 3 » صورة تناسبه . فهذا عذاب القبر ان كان شقيّا ، ومقابله ان كان سعيدا .
تحقيق ذلك على ما حقّقه بعض الأكابر « 4 » ان بالموت يتجرد النفس عن البدن ليس يصحبها شيء من الهيئات البدنية ، وهي عند الموت عارفة بمفارقة البدن عن دار الدنيا مدركة ذاتها بقوتها الوهمية عين الانسان المقبور الذي مات على صورته .
كما كان في الرؤيا تشاهد نفسها على صورتها التي كانت في الدنيا بعينها ، وتشاهد الأمور مشاهدة عينا لا بحسّها الباطن ، فترى بدنها مقبورة ، وتشاهد الآلام الواصلة إليها على سبيل العقوبات الحسّية على ما وردت به الشرايع الحقّة ، وهو عذاب القبر .
هامش
( 1 ) - ش : تفترسه .
( 2 ) - في « الاسفار » ج 9 ، ص 220 : صورها الباطنية الحقيقية .
( 3 ) - ش : فعل .
( 4 ) - هو الغزالي . ( هامش م ) .