تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعه رسائل فلسفى صدر المتألهين — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
لكمالها ، لانّها كانت عرفت انيّته وانّى لها به وقد انفسخت العقائد الوهمية ولا سبيل إلى طلب الكمال لاضمحلال الآلات والقوى الفكرية ؟ فهي ابدا متشوقة إلى الكمال وغير نائلة له « 1 » في حال ، فهي مريضة القلب ، سقيمة الذات ، مأوفة « 2 » في جوهرها صمّا عميا في سمعها وبصرها ، لا قرار لها ، ولا راحة ابدا الآبدين ودهر الداهرين الّا ما شاء اللّه ، مشتاقة إلى حالتها الأولى والعود إلى الدنيا لطلب سعادة الآخرة والمنزلة العليا كما حكى اللّه تعالى عنهم بقوله :
رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ، كَلَّا
« 3 » . نعوذ باللّه من هذه الحالة . المبحث الرابع : في الفسقة والفجّار . واما النفوس الطائعة للقوى البدنية في افعالها الخبيثة وقد صارت كثيرة الشوق إلى الدنيا وشهواتها ، عاشقة للجاه والترفع فيها والرياسة على الاقران ، فإنها إذا فارقت البدن نزعت إليها وإلى استعمال القوى التي بها كانت تنال الشهوة والرياسة والاخلاد إلى الأرض ، وانّى يكون لها ، وقد بطلت القوى والآلات وحيل بينها وبين الشهوات ؟ كقوله « 4 » تعالى :
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ
« 5 » ، فهي ذلك « 6 » حليفة غصة وعذاب اليم ، ورفيقة فجيعة ومحنة وغمّ ، الّا انّ هذا الخطب أهون من عذاب الجهل المضاد للعلم ، لانّ العادات قابلة للزوال بخلاف العقائد الراسخة ،
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
« 7 » . ونسبة هذه الشقاوة إلى تلك الشقاوة كنسبة السعادة التي بإزائها إلى السعادة العلمية . فالجاهل بحقائق الدين الجاحد للحق ، له الشقاوة العظمى والنار الكبرى وعذاب الاحتجاب والاحتراق بألم نار الفراق ،
نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ
« 8 » .
هامش
( 1 ) - الف : منه .
( 2 ) - أي فاسدة ؛ من الآفة . وفي م : ماوثة .
( 3 ) - المؤمنون ، 99 - 100 .
( 4 ) - لقوله - ظ .
( 5 ) - سبأ ، 54 .
( 6 ) - كذا .
( 7 ) - الاسراء ، 72 .
( 8 ) - الهمزة ، 6 - 7 .