يستضاء به ، فهداني ربّى وألهمني بما فيه غنية عن ساير أفكار المتقدمين من الحكماء والمتأخرين من المتكلمين ،
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ
« 1 » ، وليس فيما ذكرته مفاخرة أو شعوف على الاقران بل تشويق إلى نيل مثله وما هو ارفع منه ، واعلام بان درك اسرار الآخرة لا يمكن الّا بنور النبوة ، وان نسبة عقول جماهير المتفكرين من أولى الانظار الحكمية وذوى الافكار العقلية إلى [ ب - 8 ] هذا النور كنسبة عيون الخفافيش إلى نور الشمس .
ثم إن ما عندي من علم المعاد وكيفية حشر النفوس والأجساد لا يمكنني ان أصرح بها تصريحا وانصّ عليها نصا بل إشارة وتلويحا ، والحق « 2 » لي ان أضنّ « 6 » بها لشرف قدرها وعزتها ، وبعد غورها وقصور المدارك الضعيفة عن بلوغ شأوها ، واشمئزاز القلوب المريضة بداء الجهالة وحبّ الجاه عن سماعها ، وتضرّرهم منها تضرّر المزكوم بشمائم « 3 » الورد والعبهر ، والكناسي بروايح المسك الأذفر ؛ لكن اذكر ههنا لمعة من نورها وإشارة إلى شئ من مقدماتها على مقدار ما يقابل السؤال ، وينحلّ به ما ذكره من الاشكال ، ان شاء اللّه تعالى .
فنقول : النفوس الانسانية منقسمة إلى ثلاثة أقسام بحسب العاقبة : العالون وهم المقربون ، والمتوسطون وهم أصحاب اليمين ، والنازلون في المهاوي وهم أصحاب الشمال . وانقسام الناس إلى هذه الاقسام في القسمة انقسام بحسب الذات والحقيقة لا بحسب العوارض الصنفية ، بل لكل من هذه الثلاثة معنى جنسي تحته أنواع كثيرة مع انّ نوع البشر بحسب الخلقة يكون واحدا وافراده متماثلة « 4 » الحقيقة مادة وصورة ، بدنا ونفسا ،
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
« 5 » ، وهذا من العجائب التي لا يعلمها بالبرهان الّا الراسخون ، وفي القرآن آيات كثيرة في هذا المعنى مثل قوله تعالى :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً
هامش
( 1 ) - اقتباس من الأعراف ، 43 .
( 2 ) - م : لحق .
( 6 ) - اضنّ : أبخل ؛ م : أظن .
( 3 ) - م : بنسائم .
( 4 ) - م : مماثلة .
( 5 ) - الكهف ، 110 .