المسألة الخامسة
بقاء النفوس الانسانية من غير مادة يستلزم كون النفس الانسانية أتم وأكمل واشرف من النفوس الفلكية بل النفس الكلية ، إذا المجرد المفارق يكون لا محالة أتم وأكمل من المباشر المتعلّق .
[ الجواب ]
هذه المسألة من أعظم المسائل الإلهية ، وابعدها مراما ، وأعلاها رتبة ، واعصاها على القوة العاقلة تصورا ، قلّ من يهتدى إليها من الفحول ، ولم يجد إليها سبيلا الّا أهل الكشف والوصول . وانّى منذ دهري لم أجد في وجه الأرض من له خبر عن تحقيق مسألة المعاد للنفوس الانسانية ، ولا أيضا صادفت « 1 » في خزانة نقود الحكماء وجواهر اسرارهم منها نقدا خالصا يسدّ الفاقة أو يقع به القنوع عن درك الحق أو يسمن ويغنى من جوع ، بل ما يتّبع أكثرهم الّا ظنا ،
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
« 2 » .
وكنت على هذه الحالة مدّة مديدة حتى وقع لي الرجوع والمعاودة إلى كتاب اللّه تعالى ، وتدبرت في آياته تدبرا شافيا ، وخضت في بحار معانيها واسرارها خوضا وافيا لنيل غررها وجواهرها لا مكتفيا بادمان النظر إلى سواحلها وظواهرها ، فوجدته بحمد اللّه نورا يهتدى به في ظلمات الأرض
وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ
« 3 » ، ونجاة من عذاب القبور ، فاطلعت بسببه من علم المعاد والنشأة الآخرة على اسرار واغوار لا يعرف قدرها الّا علّام الغيوب ، وعلمت أن ليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور
هامش
( 1 ) - في النسخ : صادقت .
( 2 ) - النجم ، 28 .
( 3 ) - يونس ، 57 .