هاهنا مبادي الفصول وهناك نفس الفصول فإن النطق إنما هو مقول على نطق زيد ونطق عمرو ونطق بكر بالتواطؤ فجاز أن يكون فصل نوعها المتقوم به ويكون مطلق الإدراك المقول على هذه الإدراكات النطقية جنسها وكذا الحس المحمول على السمع والبصر والذوق وعلى أشخاص كل منهما بالتواطؤ جنسها ومطلق الإدراك جنس جنسها وذلك لأن الخمسة أنواع مختلفة للحس لاختلافها في نحو الوجود فإذن لم يكن الحس والنطق فصلا للحيوان والإنسان محمولا عليهما بالتواطؤ فليس الحس حيوانا ولا النطق إنسانا بل الحس والناطق فصلان محمولان على الحيوان والإنسان مواطاة لأنهما متحدان بهما وبجنسهما وأما كيفية ذلك فقد علمت فيما سبق حيث تكلم فيه الشيخ وبين أنه كيف يكون الجنس هو الفصل وكيف يكون هو النوع في الوجود بالفعل مع تغاير الجنس والفصل في المفهوم وتغايرهما والنوع فيه وافتراق بعضها عن بعض وعلمت أيضا ما حققناه وتممنا الكلام من جهة اشتمال الصورة التي بإزاء الفصل بوحدتها على جميع المعاني التي يتركب منها النوع بحسب أجزائه الوجودية الخارجية أو الذهنية فإن النوع وإن كان في المركبات فإنه بالحقيقة شيء واحد في الوجود الذي للصورة الخارجية وهو الجنس إذا صار كاملا محصلا موصوفا بالفصل بالفعل بمعنى أنه يحمل على ذلك الشيء الواحد الصوري معنى الجنس الموصوف بالفصل المعين بالفعل وإنما مغايرة الجنس والفصل في ذلك الوجود بحسب العقل وإذا احتال العقل وفصل بينهما وميز الجنس عن الفصل بأن أخذ كلا منهما بشرط أن لا يعتبر معه إلا نفسه ويكون غيره خارجا عنه في الوجود سواء كان عارضا له أو مفارقا عنه فهما حينئذ مادة وصورة عقليتان في كل نوع ومادة وصورة خارجيتان أيضا في الأنواع المركبة التي قد يوجد جنسها في شيء آخر بدون فصله وهما بذلك الاعتبار غير مقولين على النوع لأن الجزء لا يقال على الكل ما أقوله إلى آخره اعلم أن امتياز الأشياء بعضها عن بعض بعد اشتراكها في أعم المحمولات كالوجود والشيئية والإمكان العام والمعلومية يوجد بأحد ثلاثة أمور عند الجمهور من المشائين وبأحد أربعة عن الرواقيين إما بتمام الذات كالسواد والحركة وإما ببعض الذات كامتياز الإنسان عن الفرس بفصل هو الناطق بعد اشتراكهما في الحيوانية وعن الشجر بفصل هو الحساس بعد اشتراكهما في الجسم للنامي وعن الحجر بفصل هو النامي بعد اشتراكهما في الجسم وعن المفارق بفصل هو القابل للأبعاد بعد اشتراكهما في الجوهر وإما لعارض وجودي أو عدمي فالأول كامتياز الضاحك عن الكاتب بعد اشتراكهما في تمام الذات والثاني كامتياز الفصل كالناطق عن النوع كالإنسان بعدم دخول مفهوم الحيوانية فيه ودخوله في الإنسان وإما بالشدة والضعف كتفاوت أفراد الوجود عندنا مع اشتراكهما في طبيعة الوجود التي هي أمر بسيطة لا جزء لها خارجا ولا عقلا إذا انتقش هذا التصوير على صفحة الخاطر فنقول كلما كان الاشتراك بين شيئين في أمر ذاتي لهما فلا بد من الامتياز الذاتي أيضا وكلما كان بأمر عرضي لهما فلا يجب الامتياز به وكلما كان الاشتراك بذاتي لأحدهما وعرضي للآخر كاشتراك النوع وفصله في جنسه فلا بد من امتياز أحدهما عن الآخر بالدخول فيه والخروج عنه ولما كان الجنس عبارة عن كمال المشترك الذاتي والفصل عبارة عن كمال المميز الذاتي وصريح الفصل حاكم بمغايرة جهة الاشتراك لجهة الامتياز وجبت أن يكون معنى الجنس خارجا عن معنى الفصل وكذلك العكس وإن اتحدا في الوجود عند هذا التحقيق ينحل عقدة من قدح في وجود الفصل بأن قال لو كان امتياز شيء عن غيره بالفصل وذلك الفصل لعدم كونه أعم المحمولات يجب أن يكون متميزا عن غيره بفصل آخر ويلزم منه التسلسل في وجود الفصول إلى غير نهاية لأنا نقول نحن ما حكمنا بأن التميز كيف ما كان يجب أن يكون بالفصل بل بالشرط المذكور وهو أن المشترك فيه كان ذاتيا لهما جميعا والفصل وإن كان مشاركا للنوع المتقوم به أو لفصل لنوع آخر في أمر لكن ذلك الأمر ليس ذاتيا وجنسا لهما جميعا فالناطق الذي يتميز به الإنسان عن الفرس المشتركين في الحيوانية متميز عن الناطق الذي هو الإنسان بقيد سلبي هو أنه ليس يدخل في مفهومه الحيوان أو يدخل في مفهوم الناطق الذي هو الإنسان ذلك ومتميز عن الحيوان الذي يحمل عليه بذاته لعدم مشاركته له
في الماهية فيكون انفصاله عنه بنفس ذاته وكذا متميز عن فصل الفرس بنفس ذاته لا بقيد زائد ولا لجزء فانقطع التسلسل اللهم إلا أن يقال إن الناطق مشارك لشيء آخر في شيء من الذاتيات فحينئذ يستدعي فصلا آخر ولكن لا يلزم منه التسلسل لأنه لا يجب أن يكون بكل حقيقة شيء يشاركها في شيء من المقومات وإلا لزم تركب الشيء من أجزاء غير متناهية وهو محال كما يبرهن عليه قال الرازي صاحب الملخص في مثل هذا المقام إن هذا لا يتخلص من الشكوك إلا إذا جعلنا الجوهرية من قبيل اللوازم الخارجية بالنسبة إلى ما تحتها إذ لو كانت من المقومات وفصل الجوهر يجب أن يكون جوهرا فحينئذ يكون الفصل مساويا للنوع في أمر مقوم له وهو الجوهر ويباينه في الماهية فيلزم أن يكون للفصل فصل آخر إلى غير النهاية
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 207
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٢٠٧