الثاني أن اختصاص هذا التعين بهذا المعين دون غيره إنما يكون بعد تعين هذا المعنى وتميزه عن غيره وإلا لم يكن اختصاصه بهذا التعين أولى من اختصاصه بغيره أو اختصاص غيره به فإذن يجب أن يكون له قبل هذا التعين تعين آخر فيلزم أن يكون متميزا قبل أن يكون متميزا وهو محال فالجواب أما عن الأول فمثل ما مضى في باب الوجود وهو أن التعين لو كان له ماهية كلية وراء كونه متعينا فحينئذ يحتاج في تعينه إلى تعين زائد وأما إذا كان متعينا بذاته لا أمر آخر ذلك الأمر متعين فليس يحتاج إلى تعين غير نفسه فلا يلزم التسلسل وأما عن الثاني فهو أن كل ما لا يكون تعينه من لوازم طبيعة حتى يكون نوعه منحصرا في شخصه فلا بد له من مادة متحصصة بأعراض معينة ويكون تشخص المادة بتلك الأعراض علة لتشخص ذلك الحادث ووجوده إذ من الممتنع أن يقترن بتلك المادة في ذلك الوقت وذلك الوضع والتحيز فرد آخر من ذلك النوع حتى يلزم الإشكال وليس أن ذلك الشيء يوجد ويوجد التعين ثم بعد حصول أحدهما أو كلاهما يتقارنان بل وجود ذلك الشيء في تلك المادة المخصوصة هو تعينه فالحق أن تشخص الشيء بمعنى كونه بحسب نفس تصوره ممتنع الشركة بين الكثرة إنما يكون بأمر زائد على الماهية لا في الوجود بل في التصور عند التحليل ويجب أن يكون ذلك الأمر متشخصا بنفسه وهويته لا بشيء خارج عنه لا عينا ولا تصورا ليكون الماهية بسببه ممتنعة الاشتراك في الخارج وما ذلك إلا نفس وجود ذلك الشيء كما ذهب إليه الفارابي إذ كل ما هو غير الوجود من المفهومات والماهيات فلا تأبى تصوره عن قبول الشركة ولو تخصص بألف تخصيص لأن انضمام المفهوم إلى المفهوم كم وقع لا ينتهي إلى الشخصية نعم ربما يؤدي إلى الامتياز الخارجي عن غيره من الأشياء لكن العقل مما يجوز كون المتصور فيه مشتركا والامتياز عن الغير في الواقع غير التشخص الحقيقي كيف والأول أمر إضافي بالقياس إلى المشاركات في أمر عام والثاني أمر باعتبار الشيء في نفسه حتى إنه لو لم يكن له أمر مشارك في معنى لا يحتاج إلى تميز زائد لكان أيضا متميزا في نفسه ولا يبعد أن يكون التميز بالمعنى الأول مما يوجب الاستعداد لحصول التشخص الحقيقي كما مرت الإشارة إليه فإن النوع المادي المنتشر ما لم يتخصص مادية باستعداد خاص لواحد منه لا يفيض عليها وجود عن المبدإ الواجب ويمكن أن يحمل أكثر المذاهب الواقعة في التشخص على ما يرجع إلى ما حققناه فما نقل عن الحكماء أن تشخص الشيء بنحو العلم الإحساسي أو بالمشاهدة الحضورية يمكن إرجاعه إلى ما قلنا فإن كل وجود خاص لا يمكن معرفته إلا بالمشاهدة العينية أو ما يجري مجراها وكذا ما ذهب إليه صاحب المطارحات من أن المانع للشركة كون الشيء هوية عينية وليست الهوية العينية إلا الوجود الخاص لكن هذا الشيخ العظيم كان كثير المبالغة في أن الوجود أمر اعتباري لا هوية له في الخارج وليت شعري إذا كان التشخص عنده بنفس الهوية ولم يكن الهوية نفس الوجود وغير الوجود إما نفس الماهية المشتركة أو معنى عارض الماهية أو هي مع عارض أو عوارض من كم وكيف ووضع وزمان وغير ذلك وهو معترف بأن شيئا منها لا يمنع الشركة وأن مجموع الكليات أيضا كلي فهذه الهوية العينية أي شيء هي فلما ذا يوجب لمنع الشركة وكذا ما اختاره بعض أهل التدقيق من أن تشخص الشيء جزء تحليلي له إذ قد علمت أن الوجود كذلك لأنه متحد مع الماهية في العين غير متميز عنها إلا في الذهن وكذا ما قيل إن تشخص الشيء بالفاعل بمعنى أن الفاعل مقوم للتشخص لأنه مقوم للوجود الذي هو عين التشخص فمقوم الوجود يكون مقوما للتشخص أيضا لكن الكلام فيما به المشخصية لا في مفيده وجاعله وقريب من هذا ما هو مختار لبعضهم أن تشخص الأشياء بارتباطها إلى واجب الوجود وقد علمت أن الماهيات إنما يرتبط بالجاعل الحق لأجل وجوداتها التي هي في الحقيقة أشعة وإشراقات للوجود القيوم وأما ما قال بعضهم من أهل العلم إن التشخص بسبب المادة إذ شيء من الماهية ومقومها ولوازمها مما لا يوجب الامتياز والعارض المفارق يفتقر إلى المادة فيجب أن يحمل التشخص في كلامه على التميز الذي هو شرط حدوث التشخص عن الفاعل كما مر فإن الهيولى
حالها في التشخص ومنع الشركة بحسب التصور كحال غيرها بل النوع المتكثر الأفراد ما لم يتخصص المادة الحاملة لأفراده بوضع خاص وزمان خاص لا يوجد فرد منه دون غيره وهكذا القول فيما ذهب إليه بهمنيار مطابقا لما وجد في كلام الشيخ من التعليقات وغيرها من أن التشخص بسبب أحوال المادة من الوضع والخير فإن المقصود المميز الفارق لا ما يجعل الطبيعة شخصيته وأيضا هذه الأحوال من لوازم التشخص وأماراته فالتعبير عن الشيء بلازمه غير بعيد كما يعبر عن الفصول بلوازمها وما وجد أيضا في كلام الشيخ من أنه ليس شيء من المقولات متشخص بذاته إلا الوضع مع وحدة الزمان منشأة أن الوضع في ذوات الأوضاع بالذات هو نحو وجودها كما أن المعقولية في الصور المجردة هي نحو وجودها فوجودها في ذاتها وكونها بحيث يكون لأجزائها بعضها إلى بعض وإلى الأمور الخارجية نسبة شيء واحد كما أن وجود الصورة الإدراكية ومدركيتها ووجودها للمدرك لها أمر واحد
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 205
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٢٠٥