تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
لا يوجد ما لم يتحصل بالفعل وما يوجد بالفعل لا يكون مبهما فالنفس الداركة لا يوجد بالفعل بكونها دراكة ما لم يتعين ولم يفصل نحو إدراكها عن مطلق الإدراك فإذا قيل إنها دراكة بالحس والتخيل والنطق مميز عن كونها دراكة بالحس فقط كبعض أنواع الحيوان أو بالحس والخيال جميعا ولكن بدون النطق كبعض آخر بل الحساس فقط أيضا أمر مبهم فمن الحيوان ما له قوة اللمس فقط ومنه ما له اللمس والذوق والثلاثة بدون السمع والبصر كما أنه من الحيوان ما يوجد بدون الحس الباطن كلا أو بعضا وبالجملة إذا وجد الجنس كالحيوان فوجوده متضمن لوجود أحد الفصول لا أنه ينضم إليه وجود ذلك الفصل من خارج إذ لا وجود للمبهم في الخارج ولكن جاز حصول المبهم على إبهامه في الذهن فإن الذهن ربما يكون مترددا مشككا في تمام حقيقة شيء كنفس من النفوس أنها هل هي حساسة فقط أو متخيلة أو ناطقة ثم يحصلها بالفكرة والاكتساب فصلها الخاص فيعرفها ويحدها بجنسها وفصلها فانضمام فصل إلى جنس إنما هو بحسب المعنى وفي الذهن على نحو حصول تعيين بعد إبهام وجزم بعد شك فظهر وتبين أن الحد مركب من جنس وفصل بخلاف المحدود الذي هو النوع وإن كان الحد عين المحدود في الوجود قوله وإذا أخذ الحس في حد الحيوان فليس هو بالحقيقة الفصل بل هو دليل على الفصل فإن فصل الحيوان أنه ذو نفس إلى آخره يريد بيان أن أكثر ما يذكر في التعريفات الحدية بإزاء الفصل فليس هو بفصل حقيقي سواء كان الذي هو فصل حقيقي فصلا محمولا بالتواطؤ أو فصلا محمولا بالاشتقاق بل إنما هو علامة الفصل ودليله لأن فصل كل مقولة يجب أن يكون من تلك المقولة على الوجه الذي سبق فصل الجوهر جوهر وفصل الكم كم وفصل الكيف كيف مع أن الموجودات المأخوذات في فصول الأشياء من مقولة غير مقولة جنسها كما يذكر في فصل الحيوان الحساس وهو جوهر والحس انفعال أو إضافة ويذكر في فصل الإنسان الناطق وحالهما كما مر وكذا يذكر في حد الخط المستقيم أو السطح المستوي كون أجزائه على وضع لا يكون بعضها أرفع وبعضها أخفض وفي الخط المستدير والسطح بخلاف ذلك والخط والسطح من مقولة الكم وما يذكر في فصلهما من مقولة الوضع ويقال أيضا في حد السواد وهو من مقولة الكيف أنه قابض للبصر وفي البياض أنه مفرق للبصر والقبض والتفريق من مقولة الفعل فالحق أن هذه الأمور المذكورة في الفصول هي ليست بفصول حقيقية وإنما هي لوازم وأمارات جعلت عنوانات لها دالة عليها فصل الحيوان بالحقيقة ليس ذا الحس بل إنما هو ذو النفس الدراكة المتحركة بالإرادة أو ذو قوة النمو والحس والحركة فليست هوية نفسه أن يحس بالفعل ولا التخيل بالفعل ولا الحركة الإرادية بل القوة النفسانية هي مبدأ هذه الأفاعيل والانفعالات بل مبدأ مبادي هذه الآثار صادرة عن قواها كقوة الحس وقوة التخيل وقوة الحركة الإرادية بل الحق أن النفس كما أنها مبدأ لهذه الآثار المختصة بها كذلك هي مبدأ لجميع الآثار المنسوبة إليها مختصة كانت أو مشتركة كالنباتية والجمادية من التغذية والتنمية والتوليد والحفظ وغيرها إلا أن بعضها بلا واسطة وبعضها بواسطة فالتي هي مختصة بالنفس ليس بعضها بأن ينسب إليها دون البعض لكن كلها أو بعضها شيء ليس له في نفسه اسم لأنه هوية خارجية وجودية والأسامي والحدود التي تعرف بها الأمور إنما هي للنعوت والصفات الكلية وحيث كانت هذه الأمور توابع مخصوصة له فيضطر العقل إلى أن يخترع له اسما مأخوذا من نسبة ذلك الشيء إليها ولهذا يجمع الحس والحركة الإرادية معا في حده ويجعل الحس كأنه معنى يجمع الحواس كلها ظاهرها وباطنها أو يقتصر على الحس أما بناء على أن أقل درجات الحيوان أن يكون له حس واحد فكل حيوان له حس سواء كان مقتصرا على الواحد كالخراطين والحلذونات أو أزيد وأما على أن الحس مطلقا يدل على جميع الحواس بالالتزام لا بالتضمن لأن الخاص ليس بجزء للعام ليدل اسم العام عليه بالتضمن فإن دل عليه يكون دلالة بالالتزام لا محالة وقد سلف بيان أقسام الدلالات في المنطق فإذن قد ظهر وتبين أن الحس ليس بالحقيقة فصلا للحيوان بل أحد لوازم فصله واحد شعب فصله وقواه وإنما فصله بالحقيقة وجود النفس التي هي مبدأ هذه اللوازم والشعب كلها وكذلك الناطق الإنسان ليس فصلا حقيقيا له بل الفصل بالحقيقة هو وجود النفس التي هي مبدأ هذه الإدراكات الكلية والحركات الفكرية وغير ذلك من أفاعيل الحيوانية والنباتية وما دونها حتى إقامة الهيولى بصورة الاتصال وإفادة المقدار لها لكن عدم الاسم الدال على الهوية الوجودية للنفوس وقلة شعورنا بالفصول يضطرنا أما هذا أي عدم الشعور وأما ذاك أي فقدان الاسم إلى أن ننحرف في إقامة الحدود عن حقائق الفصول التي لوازمها وآثارها الدالة عليها فربما يشتق اسم الفصل الحقيقي من لازمه كالحساس فإنما نعني بالحساس لا الذي يحس بالفعل بل المبدأ الذي من شأنه الإحساس وغيره من الآثار هذا إذا كانت المعرفة به تامة ولكن لم نجد اسما
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 210 | صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )