تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
الجسم إلى المتغذي وغير المتغذي قسمة بالفصول لأنه يستحيل وجود جسم لا يكون متغذيا ولا غير متغذ وأيضا لم يجد شيئا من أفراد أحدهما داخلا في أفراد الآخر من أنواع الجسم بخلاف الذكر والأنثى لما مر أن الذكر يكون إنسانا وغير إنسان وكذا الأنثى والإنسان يكون ذكر أو أنثى وكذا غير الإنسان واعلم أن الحق أن الذي ليس بعارض من جهة الصورة بل من جهة المادة فهو ليس بفصل البتة إذ الفصل بإزاء الصورة فهو إما نفسه بحسب المعنى أو لازما من لوازمه الذاتية المساوية له فالذي هو من العوارض الانفعالية اللاحقة بالمادة لا من جهة الصورة بالذات فهو ليس بفصل لا محالة وأما المتغذي وغير المتغذي إن أريد به الصورة التي شأنها التغذية فهو فصل وإن أريد به انفعال المادة وتغذيها فذلك ليس بفصل لكن كثيرا ما يشتبه الحال ويختلط الفعل بالانفعال واللوازم الصورية بالعوارض المادية فيقع الاحتياج في معرفة الفعل إلى تحقيق شرائط أخرى ولذا قال علي إن المعنى وهو ملازمة ما به يقع القسمة للمقسوم وإن كان من شرائط الفصل فقد يكون في غير الفصل إلى آخره لما أخرج الذكورة والأنوثة عن كونهما أو كون أحدهما فصلا بعدم لزومه لما يقسم به بخلاف المتغذي وغير المتغذي حيث لا يتعدى أحدهما نوعه الذي يقسم أراد أن يشير إلى أن مجرد هذا اللزوم غير كاف في كون الشيء القاسم فصلا يعني كون القسمة بالقيود اللازمة لما يقسم به وإن كان شرطا من شروط الفصل التي لا يتحقق بدونها لكن قد يوجد هذا الشرط في غير الفصل أيضا من العوارض اللازمة للأنواع إذ قد يوجد لنوع واحد إضافي أو حقيقي صفة غير فصل لكنها لازمة له لا يتعداه إلى غيره كقسمة الجوهر إلى قابل الحركة وإلى غيره وقسمة الحيوان إلى قابل صنعة الكتابة وإلى غيره وذلك إذا كان من لوازم الفصل فإن قبول الحركة لا ينفك عن الجوهر القابل لها لكنه ليس بفصل له بل هو من لوازم فصله الذي هو كونه ذا طول وعرض وعمق وكذلك قبول الكتابة لازم للناطق الذي هو فصل الإنسان فظهر أنه من المقسمات اللازمة ما لا يكون فصولا قوله ونرجع فنقول وأنت تعلم أن المادة إذا كانت تتحرك إلى قبول حقيقة صورة إلى آخره يريد بيان السبب اللمي في كون بعض المعاني فصولا للأنواع وبعضها عوارض لازمة أو غيرها وتحقيق أن الغاية الأصلية في استحالات المواد الكونية واستعداداتها هي وجود الصور التي يطابقها الفصول على حسب ما قدره الله في الأزل بمقتضى عنايته وأما غيرها من الصفات والأعراض اللازمة فهي ليست من الغايات الأصلية بل هي من الأمور الاتفاقية التي وقعت من مصادمات الأسباب الطبيعية بعضها لبعض فذكر أن المادة إذا تحركت بالطبع نحو قبول صورة الحقيقة إذ المتحرك لا يتحرك بالطبع إلا إلى ما هو كمال صوري حقيقي لها فقد يعرض لها عند الحركة أمور غير داخلة فيما هي متوجهة نحوها كأحوال الأمزجة وغيرها مما لا يمكن ضبطه فيختلف بها حال المادة في أفعال وأحوال يصدر عنها أو يقبلها لا من جهة الصورة الحسية التي كانت عليها في ابتداء الحركة ولا من جهة الصورة الفصلية التي في انتهاء الحركة فإن مادة الشجرة أو نطفة الحيوان إذا توجهت نحو الغاية المطلوبة وهي الصورة النامية أو الحيوانية وكان الحاصل لها عند الحركة صورة جنس النبات أو الحيوان أعني الجسمية الطبيعية العنصرية أو الجمادية فربما عرضت المادة حالات اتفاقية لا دخل لها من طلب الغاية بل ربما يعوقها عنها وربما يصرفها إلى جهة أخرى وربما يفسدها كالبرد الشديد أو حر الشديد وربما يقع لها اختلافات لا في نفس الغاية المطلوبة بل في أمور أخرى مناسبة للغاية ضربا من المناسبة أو غير مناسبة بل خارجة عنها خروجا كثيرا فيختلف بها الغاية التي هي الصور الفصلية فإنها قد يختلف في أنحاء من الكم والكيف وغيرهما مما لا دخل لها في حقائق الفصول وكل ما يلحق المادة من هذه الجهات التي لا مدخل لها في حصول الغاية المطلوبة وإن كان من اللوازم المستمرة الوجود إلى حصول الغاية أعني الصورة الباقية معها فليس ذلك من الفصول لأن الفصل إما كمال أخير أو واسطة إلى كمال بعد كمال فالذكورة مثلا ليس بفصل لأنها كيفية عارضة للمادة المتوجهة نحوه صورة نوعية كالإنسانية ولا مدخلية لها في حصول تلك الصورة إذ قد يوجد في غيرها وقد يوجد مقابل الذكورة فيها وكذا حال الأنوثة وأيضا قد علمت من الوجود السابقة أنهما كيفيتان عارضتان غيرها المادة النوع في آلات التناسل لا لأجل الوجود الشخصي وبقائه بل لأجل التناسل الذي يحصل به البقاء النوعي وإبقاء النوعي أمر عارض بعد الوجود والبقاء الشخصي وكذا التناسل فرع على تقوم الحياة نوعا معينا محصلا بالفعل فيكون هاتان الكيفيتان وأشباههما من جملة الأعراض اللاحقة بعد وجود الفصل وتقوم النوع نوعا معينا وإن كانت مناسبة للغاية فإن الكيفية التي يحصل بها بقاء النوع مناسبة للصورة التي بها قوام ذلك النوع فإذن قد استفيد مما ذكر هاهنا بيان قاعدة كلية في معرفة الفصول وامتيازها عن الحالات التي ليست بفصول وهي أن الفصول من الغايات