فيمكن صيرورة الحيوان الأسود لا أسود أو بالعكس والحيوان هو بعينه ويمتنع ذلك في الفصل فلا يكون الفصول إلا معاني لازمة للأقسام وإليه الإشارة بقوله وأن يكون القسمة مستحيلا أن ينقلب إلى قوله وبعد ذلك الثالث أن لا يكون المقسم عارضا للجنس بسبب أمر أعم أو أخص فإنه إن كان عارضا بسبب شيء أعم مثل أن يقال الحيوان منه أبيض ومنه أسود والإنسان منه ذكر ومنه أنثى فليس ذلك من فصول المقسم بل الحيوان إما صار أبيض أو أسود لأنه جسم قائم بالفعل موضوع لهذا العوارض لا لأنه جسم نام فضلا عن كونه حيوانا والإنسان إما صار ذكرا أو أنثى لأجل أنه حيوان وإليه الإشارة بقوله وبعد ذلك فيجب أن يكون الموجب من القسمين أو كلاهما ليسا عارضين له بسبب شيء قبلهما والمراد من الموجب من القسمين هو القسم الوجودي وإنما ردد لأجل الخلاف الواقع في أن الأمر العدمي هل يجوز أن يكون فصلا أو لا ولما لم يكن هاهنا موضع بيانه أجمل الكلام على وجه الترديد ونحن سنحقق القول فيه عن قريب الرابع أنه لا يكون لاحقا للجنس بسبب شيء أخص منه فإن ذلك ليس فصلا قريبا لهذا الجنس بل إما أن كان لازما من لوازم فصله وإما أن كان فصلا بعيدا مثال اللازم ما إذا قيل الجوهر إما أن يكون قابلا للمشي أو لا يكون فإن قابلية المشي عرضت للجوهر بسبب شيء آخر هو الفصل وهو الحساسية وكذا مقابله إنما يعرض للجوهر بسبب فصل آخر يقابله وهو كونه غير حساس ومثال الفصل البعيد أن يقال الجوهر أو الجسم إما ناطق أو غير ناطق فإن الجوهر بما هو جوهر وكذا الجسم بما هو جسم غير مستعد لذلك بل يحتاج أن يكون ذا نفس حتى يصير ناطقا أو قسيمه وإلى هذا أشار بقوله وقد يجوز أن يكون بعض ما لا يعرض أولا فصولا إلى آخره الخامس أن القسمة اللازمة التي يقسم بها معروضه يجب أن لا يكون بواسطة أمر آخر مطلقا فإنها إذا عرضت له لا لذاته بل لأمر آخر سواء كان مساويا أو لا جاز أن لا يكون المقسمات بها فصولا كقسمة الجوهر إلى المتخير وغير المتخير أو إلى قابل الحركة وغير قابل الحركة فالقابل للحركة لا يلحق الجوهر أولا وبالذات بل بعد أن يصير ذا أبعاد ثلاثة وإليه أشار بقوله ويتضمن طبيعة الجنس أن يكون له ذلك المعنى أولا إلى قوله وقد يجوز واعلم أن القسمة اللازمة التي لا يكون بسبب أمر آخر لا أعم ولا أخص ولا غيرهما قد لا يكون بفصول كالذكورة للحيوان فإن القسمة بها أولية وإن كانت الأقسام ليست أولية ويدل عليه أمور أربعة أحدها أنه يمكن لنا أن نتوهم حيوانا موجودا بالفعل لا ذكرا ولا أنثى والفصل لا يكون كذلك لأنه لا يمكن أن يكون الحيوان مثلا لا ناطقا ولا أعجما واللون لا أسود ولا أبيض وثانيها أن الذكر إنما صار ذكرا بحرارة عرضت لمزاجها في ابتداء تكونه ولو قدرنا أنه عرضت له برودة صار أنثى والفصول بإزاء الصور لا بإزاء المؤلف لكن الذكورة أو الأنوثة إنما عرضت من جهة المادة فإن بدلت تلك الحرارة لكان ذلك الشخص بعينه أنثى والفصل لا يكون كذلك لأن الحيوان الذي صار إنسانا يستحيل أن يعرض له عارض آخر يصير به فرسا فلا يمنع انفعالات المادة من حصول صور للجنس وماهية ولا أيضا يمنع أن يقع للجنس القسمة والافتراق من جهة الصورة بالفصول إذ الصور علل مقتضية للمواد دون العكس لأن شأن المواد الانفعال والتأثر لا الاقتضاء والمنع فليس طرفا هذه القسمة من الفصول بل من العوارض اللازمة فانفعال المادة بالحرارة حتى صارت ذكرا أو بالبرودة حتى صار أنثى لا يمنع الصورة أعني النفس هاهنا أن يكون على أي فصل كان من فصول الحيوان من جهة صورته ولهذا ترى قد يكون الذكر حيوانا ناطقا وقد يكون غير ناطق فرسا أو حمارا أو بقرا أو غير ذلك فلم يكن الذكورة أو الأنوثة مؤثرة في تنويع الجنس الحيواني وثالثها أن الذكورة والأنوثة آلات للتناسل والتناسل بعد الحياة فآلاتها إنما يعتبر بعد الحياة فلا يكون مقومة لجوهر الحي ورابعها أن الإنسان الذي هو ناطق وذكر ليس أحد الوصفين بواسطة الآخر فإنه قد يوجد إنسان غير ذكر وذكر غير إنسان فالوصفان إذا في درجة واحدة
فإما أن يكون كل منهما فصلا وهو محال لاستحالة أن يكون للنوع الواحد مقومان كما ستعلمه وإما أن يكون الفصل أحدهما لكن الناطق فصل بالاتفاق فالذكورة لا يكون فصلا السادس أن لا يكون الفصل أمرا عدميا لأنه سبب وجود حصة النوع من الجنس والعدم لا يكون علة فضلا عن كونه علة لوجود بل يجب أن يكون الفصل أقوى وجودا وتحصلا من الجنس فإن قيل أليس الحيوان انقسم إلى ناطق ولا ناطق كان اللاناطق أيضا فصلا كالناطق قلنا لا يلزم أن يكون اللاناطق فصلا وإن وقع به التقسيم وصار مقابلا للناطق الذي هو الفصل والذي يقال أن الفصل يجب أن يكون مقسما للجنس ليس يلزمه أن يكون كل ما وقع به التقسيم وحصل به قسم مقابل للأول فصلا ولا أن يكون القسم الثاني نوعا مقابلا للأول فإن الفصل كمال صوري حصل للجنس وصار به نوعا طبيعيا ولا يلزم أن يكون إذا حصلت للجنس كمالية زائدة في بعض المواد فلا بد أن يحصل له في مادة أخرى كمال آخر زائد عليه بل قد يحصل وقد لا يحصل فإن الجسم مثلا قد يتم وجوده بأن يكون له مع الجسمية صورة نوعية
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 199
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص١٩٩