تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
فإن المقسم هو الذي يصدر عنه لا بالعرض ولا بالقسر والفعل الصادر بسبب المباين الجسماني لا يخرج عن هذين وأما الرابع فلا يخلو لتساوي نسبة ذات المفارق إلى جميع الأجسام والمواد أما أن اختصاص هذا الجسم بتوسط في صدور هذا الفعل عن المفارق إما بما هو جسم فلزم الاشتراك المذكور لما علمت أو لقوة فيه زائدة على الجسمية وهو المطلوب وهو كون تلك القوة مصدرا سواء كانت بالمعاونة أو بكونها مبدأ قريبا أو لقوة في ذلك المفارق وتلك القوة إما إرادة مخصصة أو ليست كذلك فعلى الثاني يكون حكمها حكم ذات المفارق ويعود الأقسام الثلاثة المذكورة فيها وأما عن الأول فتعلق تلك الإرادة بصدور الفعل عن هذا الجسم دون سائر الأجسام إما لتميزه بخاصيته بها يمتاز غيره فيختص هذا الفعل بها على سبيل الاتفاق والجزاف والأمور الاتفاقية والجزافية لا يكون مستمرة على نظام واحد ولا أكثرية الوقوع وكلامنا في الأفعال التي يسمى أفعالا طبيعية كتبريد الماء وتسخين النار فتلك الخاصية إما أن يكون موجبة لصدور الفعل أو يكون صدوره منها على الأكثر أو على الأقل فإن كان الشق الأول فهو المطلوب لأنه ثبت في الجسم مبدأ موجب لصدور الفعل وإن كان الثاني فهو أيضا يستلزم المطلوب لأن الذي يفعل فعلا في الأكثر فاختصاصه بذلك الأمر يقتضي رجحان ذلك الفعل على تركه وبه يميل إلى جهة صدوره فعدم صدوره لمانع وإلا لزم ترجيح المرجوح فعند عدم المانع لا بد من الصدور وهذا معنى الاقتضاء الذاتي فيكون المبدأ موجبا والتخلف في الصدور إنما يكون لعائق غريب والقسر لا يكون دائما ولا أكثريا كما ثبت في الطبيعيات فثبت أن كل ما يفعل أكثريا فهو أيضا يفعل بالطبع وإن كان الثالث فيلزم أن يكون الفعل قسريا أو جزافا لما علمت أن غيره إما دائمي أو أكثري وكلامنا في الفعل الذي لا يكون بالقسر ولا بالجزاف وقوله وكذلك إن قيل كونه من صاحب تلك الخاصية أولى إلى آخره يعني حكم كون الفعل أكثري الوقوع من شيء وحكم كونه أولى منه كلاهما واحد في استلزام كل منهما قوة يصدر منها ذلك الفعل وذلك لأن معنى كون الفعل أولى بهذا الجسم ذي الخاصية صدوره منه بها أنسب وأليق من لا صدوره أو من صدور ضده فهو بتلك الخاصية إما موجب له أو مرجح والمرجح إما مرجح بالذات أو بالعرض والذي بالعرض هو خارج عما نحن فيه فبقي أن يكون بالذات والذي يكون مرجحا بالذات لصدور فعل ولا مانع له من قسر أو عرض فيكون موجب الامتناع وقوع المرجوح فتلك الخاصية موجبة وهي المراد من القوة فتلك القوى هي مبدأ الأفاعيل الجسمانية سواء كانت بمشاركة من العلة البعيدة بأن يصدر القوة أولا من المفارق ثم يصدر بهما جميعا الفعل أو بتوسطها بين تلك العلة وبين الفعل حتى يكون هي المبدأ القريب دون المفارق وتحقيق هذا المقام مما يحتاج إلى خوض شديد وتعمق عظيم ربما يلوح لك منه شيء بتتبع ما بيناه في مسألة الجبر والقدر ثم إن لقائل أن يقول إنكم أثبتتم القوى المختلفة في الأجسام لأجل صدور الأفاعيل المختلفة عنها مع اتفاقها في معنى الجسمية فإذا كان الاتفاق في الجسمية والاختلاف في الأفاعيل يقتضي إثبات القوى فإثبات القوى أيضا يستدعي إثبات قوى مختلفة أخر قبلها ليجتلب بها هذه القوى وهكذا يرجع الكلام إليها فيتسلسل والجواب أن تلك القوى التي هي مبادي الأفعال إن كانت أعراضا متأخرة الوجود عن الأجسام فالحال كما ذكرت ولكن هي أو مباديها صورة مقومة للأجسام الطبيعية يتحصل بها الأجسام أنواعا والجسمية المطلقة من لوازمها التابعة لها لزوم الجنس للفصول المختلفة ولا استبعاد في كون ملزومات مختلفة لها لازم مشترك أعم منها فإن سميت تلك المبادي أعراضا أو كيفيات بعد وضوح المطلوب فلا مضايقة فيها وقد مر في مباحث إثبات الصور ما يفي بدفع هذا الإشكال وأمثاله

[ في بيان مسبوقية الحادث بالمادة ]

قوله ولنؤكد لبيان أن لكل حادث مبدأ ماديا إلى آخره اعلم أن لكل حادث مبدأ فاعليا ومبدأ ماديا والمبدأ الفاعلي هو الذي به يجب صدور الفعل إن لم يكن مانع والمبدأ المادي هو الذي يمكن ويصح صدوره عنه وعند عدمها جميعا يمتنع الفعل وعند وجودهما جميعا يجب على الإطلاق وقد أثبت الشيخ بالبرهان أن للأشياء الحادثة من الأفعال والحركات مبادي فاعلية هي المسماة بالقوى الإرادية والطبيعية والآن بصدد أن يثبت لها مبادي مادية وقد مر من الكلام ما أمكن الاكتفاء به في إثبات هذا المقام عند دفع ما ذهب إليه طائفة من أن القوة مع الفعل دائما لكن الشيخ أراد استقصاء القول فيه ولأجله قال ولنؤكد وذلك لكثرة المنكرين وتوغلهم في الإنكار لهذا الباب كإنكارهم وإصرارهم في باب إثبات القوى الفاعلية والطبائع بناء على قولهم بالفاعل المختار على الوجه المشهور المستلزم للجزاف والعبث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقد علمت أن الإرادة العالية لا تخصص شيئا إلا المخصص فيه ولم يعلم هؤلاء القوم أن إمكان الإرادة الجزافية مضر في باب العلم والمعرفة وإثبات الصانع وصفاته وغير ذلك من المقاصد الشرعية ولم يبق اعتماد على اعتقاده لا في المبدإ ولا في المعاد ولا في تحسين حسن وتقبيح قبيح لفعل ولا في تصديق وتكذيب لرأي وهذا الذي دعاهم إلى إنكار الحكمة وترويج الجهل والتقليد إذعانا من شره في الدين وضره على عقائد المسلمين ولنرجع إلى ما كنا بصدده فنقول الوجود إما حادث وإما غير حادث فعندنا منحصر في الباري جل اسمه وعلمه وأسماؤه الحسنى لا على وجه يقوله الصفاتيون القائلون بالقدماء الثمانية ولا على وجه يقوله القائلون بثبوت الأشياء المنفكة عن الوجود ولا على وجه يقوله المشاءون القائلون بالأعراض القائمة بذاته سموها الصور العلمية الإلهية ولا على وجه يقوله الأفلاطونيون القائلون بالجواهر المفارقة والصور القائمة