ولا يلائمه قوله وقال أيضا بهذا قوم من الواردين بعده بحين كثير والأول أولى لجواز أن يكون زيادة الألف وقعت من النساخ لأنهم كثيرا ما يكتبون الألف بعد الواو التي في الطرف حملا لها على واو الجمع وإن كان اللفظ مفردا كيعفوا ويصفوا فحينئذ إن كان الرجل حكيما يمكن تأويل كلامه بأن المراد من القوة هي التي ليست في الأجسام فإنها لا توجد إلا مع الفعل وسيعلم أن كل ما يكون ممكنا في عالم الإبداع فهو موجود دائما وكل ما ليس بموجود وقتا ما فهو مستحيل الوجود والإمكان هناك مع الفعل والقوة مع الوجود ويؤيد هذا ما قال إمام المشائين في كتاب أثولوجيا القوة في هذا العالم متقدمة على الفعل والفعل في العالم الأعلى متقدم على القوة ومعنى ما ذكره أن الإمكان لكونه وصفا إضافيا لا بد أن يكون قائما بشيء فإن وجود الشيء الممكن الوجود وجودا تعلقيا فله إمكان سابق وأمر آخر يكون مادة لوجوده وموضوعا لإمكانه فإمكانه متقدم على فعليته وإن كان وجوده وجودا قائما بذاته فإمكانه أيضا لا يقوم إلا بذاته فذاته متقدمة على إمكانه وفعليته قبل قوته إلا أن نحو التقدم في الأول زماني وفي الآخر ذاتي وسيتضح لك هذه المعاني من المتن عنقريب
[ في بيان ما ليس في موضوع ولا معه فليس له وجود ]
قوله الشيء الذي يمكن أن يكون فهو يمكن أن لا يكون إلى آخره يريد بيان أن المفارقات عن المواد ليس لها إمكان سابق على وجودها وذلك لأن إمكان الشيء أمر متعلق لوجوده والوجود على قسمين وجود الشيء شيئا أعني وجوده لا باعتبار نفسه بل باعتبار حالة زائدة على نفسه والثاني وجود الشيء في ذاته أي باعتبار نفسه بنفسه والقسم الثاني على قسمين لأن وجوده في نفسه إما أن يكون وجودا لشيء قائم بغيره كوجود الأعراض وهي التي وجوداتها في أنفسها هي وجوداتها لموضوعاتها وإما أن لا يكون كذلك بل يكون وجوده في نفسه هو بعينه وجوده لنفسه أي لا لغيره كوجود الجواهر المجردة القائمة بذواتها فهذه ثلاثة أقسام وموضوع الإمكان في كل من القسمين الأولين أمر مغاير له يقوم به إمكانه ولا بد أن يكون لوجوده تعلق ما بذلك الأمر ككونه فيه أو عنه أو معه فالأول كالعرض والثاني كالمركب من المادة والصورة وما في حكمها كالإنسان وكالأبيض والثالث كالنفس الناطقة كما ستعلم ففي هذه الأمور لا بد من مادة سابقة وإمكان قائم بها وأما القسم الثالث فلا يمكن أن يكون له إمكان بهذا النحو سابق على وجوده لأن وجوده ليس متعلقا بشيء فلو كان له إمكان سابق لكان إمكانه جوهرا قائما بذاته لأنه موجود بلا موضوع ومادة كيف ولو كان في مادة لكان ذلك الشيء متعلق الوجود بوجه من وجوه التعلق فلم يمكن المفروض كما فرضناه هذا خلف ثم إن إمكان الشيء إذا كان جوهرا قائما بذاته كان له ماهية في نفسه مندرجة تحت مقولة الجوهر ليس بحسب ماهيته من باب المضاف لكن الإمكان معنى إضافي والجوهر ليس بمضاف الذات لاستحالة وقوع الشيء تحت مقولتين بالذات إنما الذي يصح هو أن يكون معروضا للإضافة حتى يكون جوهرا بالذات مضافا بالعرض كالأب فيكون لهذا القائم معنى الإمكان على هذا الفرض وجودا زائدا على كونه إمكانا لما علمت أن الجوهر المضاف وجوده مركب من وجودين وجود الماهية الجوهرية ووجود الإضافة بما هي إضافة أي الإمكان الذي كلامنا فيه فما فرضناه جوهرا كان عرضا وما حكمنا بأنه إمكان قائم بذاته ظهر أنه إمكان قائم بغيره هذا خلف وأيضا ما فرضناه موجودا بالفعل مفارقا عن المادة لزم أن يكون أمرا متعلقا بمادة وجودها بالقوة هذا محال قوله فإذن لا يجوز أن يكون إلى آخره يعني قد ثبت وتحقق من هذا البرهان أن الذي وجوده لا في موضوع ولا من موضوع ولا مع موضوع بوجه من الوجوه فلا يجوز أن يكون وجوده بعد ما لم يكن وإلا لكان له إمكان سابق على وجوده ويكون ذلك الإمكان قائما بنفسه وهو ممتنع كما مر بل يجب أن يكون ما يبقى قائما بذاته لا في موضوع أما وجوده من موضوع أو أن يكون له علاقة ما مع الموضوع حتى يمكن أن يكون له وجود بعد ما لم يكن فالأول كالجسم المركب من مادة وصورة إذا كان حادثا والثاني كالنفس الناطقة الحادثة مع حدوث الأبدان ولكل من القسمين موضوع حامل لإمكانه قبل حدوثه أما الجسم الحادث كنار حادثة أو كماء حادث فإمكان وجوده قائم بمادته لا بصورته لأن كل جسم لا تراخى وجوده عن وجود صورته فإمكانه القائم بمادته هو إمكان صورته بالذات فالشيء الذي يحدث من المادة أولا هو الصورة فإذا حدثت الصورة كان الجسم المركب حادثا بالضرورة آن حدوثها لاجتماع جزأيه وحصوله منهما لكن من المادة بوجه ومن الصورة بوجه لأن حصوله من المادة حصول بالقوة والإمكان وحصوله بالصورة حصول بالفعل والوجوب وأما النفس الحادثة فإمكانها متعلق بموضوع بدني لا على أن يكون ذلك الموضوع ممكنا أن يكون نفسا أو بالقوة هو النفس ككون الجسم ممكنا أن يكون أبيض وهو بالقوة أبيض ولا أن يكون إمكان وجودها فيه وقوة أن يكون محل انطباعها لاستحالة كونها منطبعا في شيء بل إنما فيه إمكان أن يوجد معه معية ذاتية أو يوجد فيه بعض لوازمها وقواها وآثارها الغير المنفكة عنها كما سينكشف لك منها تحقيقه في موضع يليق به إن شاء الله تعالى لكن يجب أن يعلم أن الأشياء لها وجود مفتقر إلى الموضوع هي متفاوتة فالافتقار إليه حسب تفاوت وجوداتها في مراتب النقصانات والقصورات فمنه ما يحتاج إلى الموضوع بأن يكون بتمامه في تمام الموضوع كالأعراض والصور المنطبعة الجمادية ومنه ما يكون ببعضه قليلا كان أو كثيرا في بعض منه أو كله ويكون
مما سوى ذلك البعض مستغنيا عنه كالنفوس على درجاتها في التجسم والتجرد فإن النفس الناطقة في كثير من قواها مستغنية عن البدن كالقوى العقلية والوهمية والخيالية كما