حققناه وفي كثير منها مفتقرة إليه على تفاوت لها في الافتقار فليس افتقارها إلى المادة في اللمس والذوق كافتقارها إليها في السمع والبصر فالأولان قوتان ساريتان في تمام أجزاء العضو والأخيران قوتان قائمتان ببعض العضو والشم متوسط بين الأربعة فالحاصل أن النفس لا يحدث بوجود مادة بدنية يكون حاملا لإمكان وجود ما لا ينفك وجوده عن القوة الناطقة من آلاتها الطبيعية وآثارها البدنية اعلم أن في هذا الموضع إشكالا ذكره بعض المحققين في رسالة له إلى بعض معاصريه واستصعب حلها حيث قال ما بال القائلين بأن ما لا حامل لإمكان وجوده وعدمه فإنه لا يمكن أن يوجد بعد العدم أو يعدم بعد الوجود حكموا بحدوث النفس الإنسانية وينفوا عن تجويز فنائها فإن جعلوا حامل إمكان وجودها البدن فهلا جعلوه حامل إمكان عدمها أيضا وإن جعلوها لأجل تجردها عن ما تحل فيه عادم حامل لإمكان عدمها كيلا يجوز عدمها بعد الوجود فهلا جعلوها لأجل ذلك بعينه عادم حامل لإمكان الوجود فيمتنع حدوثها في الأصل وكيف ساغ أن يجعلوا جسما ماديا حامل إمكان جوهر يباين الذات إياه فإن جعلوها من حيث كونها مبدأ لصورة نوعية لذلك الجسم ذات حامل لإمكان الوجود فهلا جعلوها من ذلك الحيثية بعينها ذات حامل لإمكان العدم وبالجملة ما الفرق بين الأمرين مع تساوي النسبتين انتهى ولم ندر هل أتى معاصره بجواب أم لا أقول أما الجواب على طريقة القوم فهو أن البدن الإنساني استعد بمزاج الخاص أن يفاض عليه من واهب الصور صورة مدبرة متصرفة فيه تصرفا بها يحفظ شخصه ونوعه فوجب صدورها عن الواهب الفياض لكن وجود صورة يكون مصدرا لهذه التدابير الإنسية والأفاعيل البشرية الحافظة لهذا النوع الذي لا يمكن بقاؤه إلا بالتمدن والتعاون ممتنع الحصول إلا بأن يقترنها قوة عقلية ذات تدبير وفكر فلا محالة يجب أن يفيض من المبدإ الفياض ولو على التبعية إذ لا بخل ولا منع ولا تقصير كيف وقد حصل الرجحان والأولوية فإذن وجود البدن بمزاجه واستعداده استدعى صورة مقارنة متصرفة فيه ولكن جود المبدإ اقتضى ذاتا عقلية مفارقة أو ذات مبدأ مفارق وكما أن الشيء الواحد يجوز أن يكون مجعولا غير مجعول من جهة أخرى كالوجود والماهية المتحدة به ويجوز أن يكون جوهرا وغير جوهر كأفراد نوع جوهري بسيط من حيث جنسها وفصلها فليجز أن يكون ذات واحدة كالنفس مجردة من جهة مادية من جهة فإذا كانت النفس مجردة من حيث الذات ومادية من حيث القوى العلمية والأفعال فهي من إحدى الحيثيتين مسبوقة باستعداد البدن حادثة بحدوثه زائلة بزواله وأما من حيث حقيقتها الأصلية أو مبدأ حقيقتها فغير مسبوقة باستعداد البدن ولا فاسدة بفساده ولا يلحقها شيء من عوارض الماديات ومثالبها إلا بالعرض فتدبر هذا ما سنح لنا في سالف الزمان على طريقة أهله وأما الذي رأيناه واخترناه بعد ذلك الزمان في تحقيق المقال ورفع الإشكال هو أن للنفس الإنسانية مقامات ونشآت جوهرية بعضها من عالم الأمر والتدبير وبعضها من عالم التخيل والتقدير وبعضها من عالم الخلق والتصوير فالحدوث والتجدد إنما يطرءان لبعض نشآتها السافلة دون العالية فإنها منذ أول تكونها الصوري في الترقي والاشتداد في الوجود وليس حال النفس في أول حدوثها كحالها عند الاستكمال ومصيرها إلى المبدإ الفعال فهي بالحقيقة جسمانية الحدوث روحانية البقاء ومثالها كانا وفعلا كمثال الطفل وحاجته إلى الرحم والأم أولا واستغنائه عنهما أخيرا كمثال الصيد والحاجة في اصطياده إلى الشبكة أولا والاستغناء في بقائه أخيرا فلا ينافي بقاء النفس فساد البدن المحتاجة إليه أولا ولا ينافي أيضا بقاء فعلها الخاص وهو اقتناصها للعقليات والنظريات تعطل شبكة القوى والحواس
[ في بيان إثبات الصورة النوعية ]
قوله وكل جسم فإنه إذا صدر عنه فعل إلى آخره يريد إثبات القوى المباشرة للأفعال والحركات في الأجسام كلها اعلم أن الفعل أو الحركة إما أن يصدر عن الجسم بالذات أو بالعرض والمراد بالفعل الصادر عن شيء بالعرض أن يكون المصدر لذلك بالحقيقة قوة في شيء آخر يجاوره هذا الشيء أو يرتبط به مجاورة أو ارتباطا يستلزم أن يتحرك بحركته ويسكن بسكونه كجالس السفينة ونحوه والذي يصدر عنه الفعل بالذات إما أن يكون صدوره عنه بالقسر أم لا والمراد بالقسر أن يتغير طبيعة الجسم بأمر مباين له غريب عن ذاته وعما يقوم به ذاته كالحجر المرمي إلى فوق بقوة الرامي وفعله المعد إياه للحركة والذي يصدر بالذات من غير قسر لا يخلو إما أن يكون صدوره عنه بإرادة أم لا والفاعل في الأول نفس وفي الآخر طبع إذا تقرر هذا فنقول كل جسم صدر عنه فعل لا يكون بالعرض ولا بالقسر فهو إما بالإرادة والاختيار أو لا بالإرادة والاختيار وعلى أي الوجهين لا بد أن يكون بقوة فيه زائدة على ذلك الجسم بما هو جسم أما على الأول فذلك بين لا يحتاج إلى البيان إذ لا خفاء أن في الأجسام الحيوانية شيء غير الجسمية يصدر عنه أفعالها وحركاتها الإرادية كيف وقد يكون أفعالها خلاف ما يقتضيها طبيعة جسمها الذي هي فيه كالحركة إلى فوق وأما على الثاني فلأن الفعل الذي صدر من الجسم لا بالإرادة إما أن يكون فاعله نفس ذلك الجسم بما هو جسم أو أمر مقارن له أو أمر مباين له والمتباين إما أمر جسماني أو أمر مفارق عن الأجسام فهذه أربعة أقسام أما الأول ففاسد لأن هذا الجسم يشارك الأجسام في كونه جسما ويخالفها في هذا الفعل فلا بد أن يكون صدوره لأمر زائد على الجسمية وهو المراد بالقوة وصدوره عن قوة والمفروض خلافه هذا خلف وأما الثالث فهو أيضا خلاف ما فرضناه