الفعل الصادر عنها بسهولة والحاصل أن كلا منهما يترتب على الأفعال بنحو ويترتب عليه الأفعال بنحو آخر وتحقيق المقام أن كل من فعل فعلا أو تكلم كلاما يحصل منه أثر في نفسه وحالة يبقى زمانا وإذا تكررت الأفاعيل والحركات استحكمت الآثار في النفس صارت الأحوال ملكات راسخة وصورا ثابتة هي صورة تلك الأفعال ومبدؤها الفاعلي كالسخونة الضعيفة في الفحم إذا اشتدت يصير صورة محرقة نارية يفعل فعل النار كذلك الكيفية إذا اشتدت صارت ملكة يصدر عنها الأفاعيل بسهولة ومن غير روية وتعمل وكان صدورها أولا بتكلف ومشقة وتجشم كسب جديد ومن هذا الوجه يحصل تعلم الصناعات والعادات العلمية والعملية ولو لم يكن للنفس البشرية هذا التأثر أولا ثم الاشتداد يوما فيوما لم يمكن لأحد تعلم شيء من الصنائع والحرف ولم ينجع التأديب والتمرين ولم يكن في تأديب الأطفال وتمرينهم الأعمال فائدة وذلك هو المطلوب قبل رسوخ حالات مضادة لما في نفوسهم ولأجل ذلك يتعسر تعليم الرجال البالغين العلوم والصنائع لاستحكام صفات أخرى حيوانية وخروج نفوسهم بها من القوة والهيولانية إلى الفعل والصورة وكانت أولا كصحيفة خالية قابلة لكل نقش وصورة وسيعلم من مباحث المعاد أن أفراد البشر إنما يبعث يوم القيامة ويحشر على صور مختلفة هي صور أعمالهم المتكررة الوقوع عنهم في الدنيا فيصير أنواعا كثيرة متخالفة بعضها من جنس البهائم وبعضها من السباع وبعضها شياطين وبعضها ملائكة مما يطول شرحه وبالجملة هذه الصور كامنة مستورة عن الحواس هاهنا وهي بارزة مكشوفة في القيامة على رؤوس الأشهاد إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور والقوى التي بالطبع إلى آخره قد علمت أن القوى التي بالطبع لها أربعة أقسام كل منها جنس آخر تحته أنواع كثيرة ثنتان منها يوجد في الأجسام الحية إحداهما فعلها على نسق واحد هي ما في الفلكيات والأخرى لا على نظام واحد هي الحيوانات الأرضية وثنتان أخريان توجد في الأجسام الغير الحية إحداهما في النباتات والصادر منها لا على نسق واحد والأخرى في غيرها كالعناصر والمعدنيات والصادر منها على نسق واحد وأما القوى التي بالصناعة أو العادة أو الاتفاق فلا توجد إلا في قسم واحد من تلك الأقسام الأربعة وهو الجسم الحيواني الذي يختلف أفاعيله كالإنسان والحيوان الذي يقرب مزاجه من مزاج الإنسان فإن الاعتياد ما يمكن تحققه أيضا في بعض الحيوانات العجم كالفرس والقردة والببغا
[ في بيان إبطال قول من زعم أن القدرة إنما تكون مع الفعل ]
قوله وقد قال بعض الأوائل إلى آخره زعم قوم من المتقدمين وطائفة من المتأخرين من علماء الكلام أن القدرة لا يكون إلا حين الفعل ولا القوة يمكن ثبوتها إلا مع الفعل والشيخ رد عليهم بأن هذا القائل يلزم عليه أن لا يقدر على القيام عند القعود ولا على القعود عند القيام فكيف صار الممتنع الوجود موجودا وأن يرى شيئا قبل أن يبصر وأن يبصر في يوم واحد مرارا فهو بالحقيقة أعمى إذ الذي كان يمتنع عليه أن يرى شيئا يستحيل أن يصير بصيرا إذ الخشب الذي ليس في طبعه أن يقبل النحت كيف يصير منحوتا فكل ما ليس بموجود بالفعل ولا فيه إمكان الوجود فهو مستحيل الوجود فبطل مذهبهم واعترض عليه صاحب الملخص بأن هذا الاستبعاد عندي ليس في موضعه لأنا فسرنا القوة بكونها مبدأ للتغير فمبدأ التغير إما أن يكون قد كملت جهات مبدئيته أو لم يكمل ولم يخرج بالكلية إلى الفعل فعلى الأول يجب أن يوجد معه الأثر واستحال تقدمه على الأثر فصح قولنا إن القوة مقارنة للفعل وإن لم يوجد أمر من الأمور المعتبرة في مؤثريته لم يكن تمام المؤثر بل بعضه فلم يكن الموجود هو القوة على الفعل بل بعض القوة بل لا شك أن الكيفية المسماة بالقدرة حاصلة قبل الفعل وبعده ولكنها بالحقيقة ليست تمام القوة على الفعل بل هي أجزاء القوة وإذا أمكن تأويل كلام القوم على الوجه الذي فصلناه فأي حاجة إلى التشنيع عليهم وتقبيح صورة كلامهم انتهى أقول لعمري أن تصحيح كلامهم بهذا التأويل والتفصيل أشنع وأقبح كثيرا من كلامهم الواقع على الإجمال فإن هذا التفصيل ناقص على أنه قد يكون لشيء واحد نحوان من الكون نقص وكمال ونسبة القوة إلى الفعل والإمكان إلى الوجود بعينها نسبة النقص إلى الكمال ففي ما ذكره اعتراف بأن لشيء واحد مراتب في الحصول فقوله إما أن كملت جهات مبدئيته أو لم يكمل قلنا لم يكمل جميعا ولكن حصل بعضها فهذا أمر متوسط بين أن لا يكون في شيء جهة من جهات المبدئية كالفرس والصبي بالنسبة إلى الكتابة وأن يكون فيه تمام جهات المبدئية كالكاتب الذي يكتب وذلك المتوسط كالأمي والصبي الذي تعلم بل كالكاتب في غير وقت الكتابة وعند عدم الإرادة لها فالطرفان أحدهما غير كاتب لا بالفعل ولا بالقوة والآخر كاتب بالفعل والأوساط التي بينهما كلها كاتب بالقوة على مراتب متفاوتة في القرب والبعد من الفعل بحسب تحقق بعض جهات الكاتبية كثيرة أو قليلة فقال لي أيها الإمام هل لك ولمن يأتم ويقتفي بك أن ينكر الفرق بين الحجر والمدر وبين الإنسان المتدرب المتمرن في تعلم الكتابة وكسبها عند عدم الاشتغال بها في عدم كونها مبدأين تامين بالفعل كيف والفرق متحقق بين كل وسطين من الأوساط الكثيرة كثرة لا تحصى الواقعة بين الطرفين في قربها وبعدها من المبدإ التام بالفعل وهو الذي يجب عليه الفعل ويستحيل عليه الترك أو ضد الفعل وكان من قبل ذلك إما قوة على الضدين وقدرة على الطرفين قريبة أو بعيدة أو استعدادا لأحدهما والاستعداد لا يكون إلا قريبا من أحدهما لا غير واعلم أنه يوجد في كثير من نسخ هذا الكتاب بعد قوله وقد قال قوم من الأوائل قوله وغاريقوا منهم وصورة هذه اللفظة إما مفردة كأنه اسم رجل وينافيه وجود الألف بعد الواو وإما جملة من مبتدإ وخبر وغار أي جماعة بقوا منهم