منها نار والإنسان يولد منه إنسان فيكون ما بالقوة مع كونه مقارنا لأمر بالفعل ليس من جنس فعليته متأخرا بالزمان عن أمر يكون من جنس فعليته بل من نوعها ففي النطفة مثلا قوة مقارنة لصورة معدنية تقوم بها ليست من جنس فعليتها ومتأخرة بالزمان عن صورة حيوانية هو من نوع الفعل وكذا الحكم في البزر والشجرة التي يحصل منه فليس كون القوة أسبق زمانا من الفعل أولى من كون الفعل أسبق زمانا منها فهذان وجهان في تقدم الفعل على القوة أعني ما بالطبع وما بالزمان ومن تلك الوجوه التقدم في المعرفة والحد وهي الوجود الذهني فإنا نعرف الفعل لذاته ولا نعرف القوة ولا نحده إلا بالفعل فإنك تحد المربع بأنه سطح يحيط به أربعة خطوط مستقيمة متلاقية بزوايا قوائم ولا يحتاج في تحديده إلى ذكر القوة وتعقله لا يمكنك أن تحد القوة على التربيع إلا بذكر المربع أو تصوره فيتوقف معرفة القوة على الفعل دون العكس ومنها التقدم بالشرف والكمال فالفعل وجود والقوة عدم والفعل كمال والقوة نقصان والكمال والخير في كل شيء من أفراد الفعل والوجود والنقص والشر من أفراد القوة والعدم إذ الشر هو عدم شيء أو عدم كمال الشيء إما بالذات أو بالعرض والشر بالذات ومن كل وجه لا يمكن وجوده إذ لو وجد لكان من حيث كونه موجودا خيرا لا محالة وقد فرض شرا محضا هذا خلف فالشر المحض لا وجود له بل الموجود من الشر شر بالعرض لأنه إما عدم كمال لما من شأنه أن يكون له كالقوى التي هي أعدام الملكات كالجهل البسيط والضعف والتشويه في الخلقة وإما لأنه سبب مناف للخير كالجهل المركب والظلم والغم والألم الذي هو إدراك المنافي واعلم أن أعظم الشرور الواقعة في هذا العالم هو الألم لأن الإدراك وإن كان من أفراد الوجود كما تقرر والعلم متحد مع المعلوم كالوجود مع الماهية فإدراك المنافي يكون وجود المنافي ومن أفراده لكن هذا الإدراك إن كان علما حصوليا ذهنيا كان وجود المعنى المنافي في النفس وإن كان حضوريا كان وجود العين المنافي في النفس كالألم الحاصل من تفرق الاتصال في الدنيا وفقد العلوم والكمالات للمدرك لها في الآخرة وبالجملة الألم عبارة عن وجود العدم للنفس ووجود كل أمر هو تأكده فهذا الوجود من أفراد ماهية العدم الذي هو الشر ولهذا يكون أشد شرية من نفس الأعدام التي لا يتعلق بها إدراك من صاحبها والحاصل أن أكثر الشرور الواقعة إنما هي في الأمور التي هي مشوبة بعدم أو قوة ولو لم يكن في الوجود أمور معها أو منها أو فيها ما بالقوة لكانت الكمالات والعنايات ضرورية حاصلة للأشياء موجودة معها فلم يكن شرا بوجه من الوجوه ومما ذكرناه ظهر لك أن القوة على الشر خير من فعله والخير بالفعل خير من القوة عليه لما علمت أن وجود كل شيء تأكده وكماله فكمال الشر شر من نفسه وأما الخير فلا شك أن كونه بالفعل خير من القوة عليه لأن قوته عدمه ونقصه وقوله قد علمت حال تقدم القوة إلى آخره تأكيد لما ذكر صريحا وتصريح لما علم ضمنا فإنه قد علم أن القوة مطلقا بعد الفعل مطلقا وأما القوة الجزئية فيتقدم زمانا على الفعل الذي هي بالقياس إليه ولكن قد يتقدم عليه فعل مثل فعلها أو مجانس له تقدما بالطبع وبالزمان أيضا وقد لا يتقدم كالحيوان التولدي والنباتات المتكونة من غير مبدأ من نوعها أو جنسها ولكن لا بد في كل من القبيلين من تقدم فعل على قوة جزئية تقدما بالذات ومن مقارنة لها في الزمان به يخرج تلك القوة إلى الفعل وقد مر أن القوة لا تقوم بذاتها بل بفعل ومتى لم يكن فعل لم تكن قوة أصلا ومتى لم يكن فعل محض لم يكن خروج شيء من القوة إلى الفعل فالفعل مقدم على القوة بوجوه كثيرة بالحقيقة والذات وبالطبع والزمان وبالحد والعلم وبالشرف والكمال اعلم أن الوجود ينقسم إلى ما بالفعل من جميع الوجوه بحيث لا يشوبه قوة وإن فرض انتفاء جميع ما سواه وهذا شأن الأول تعالى وإلى ما لا يقارنه قوة أصلا في الواقع ولكن للذهن أن يلاحظ ذاته عند رفع غيره عنه وهذا شأن
عالم علم الله وصور قضائه ولوحه وقلمه وليس هذا من تنزه الأول جل اسمه وإلى ما يقارنه القوة لا من قبل ذاته وحقيقته بل من قبل كمالات وجوده كالنفوس الفلكية وإلى ما هو بالفعل تارة في وجوده وبالقوة أخرى كالصور والنفوس الحادثة وإلى ما يكون فعلية هي كونه بالقوة فيكون قوة على كل شيء وإليها انتهى جهات القوة والاستعداد كما إلى الواجب ينتهي جهات الفعل والكمال فانظر إلى حكمة الصانع والرحمة الإلهية ولما كان غير جائز أن يقف جوده على حد متناه يبقى وراءه الإمكان الغير المتناهي وجدت منه هيولى ذات قوة غير متناهية في الانفعال كما له قوة غير متناهية في الفعل وكان لا بد أيضا في تجدد الفيض وحدوث الحوادث من الصور والنفوس سيما الإنسانية من تجدد أمر ما يكون نحو وجوده هو التجدد والانقضاء ويكون حدوثه عين البقاء فوجدت أشخاص جرمية دائمة الحركة الذاتية والوضعية الدورية لأغراض علوية يتبعها استعدادات غير متناهية ينضم إلى فاعل غير متناه في الفعل وقابل غير متناه في الانفعال فينفتح باب نزول البركات ورشح الخير الدائم في الآزال والآباد ولو لم يكن الهيولى والحركة ما صحت اللا نهاية في الممكنات فإن الأجسام متناهية العدد والمقدار والعلل والمعلولات واجبة النهاية ولا يحصل من العدد المتناهي والجهات المتناهية إلا أمور متناهية وكان ينقطع الفيض وينبت الوجود على ذلك المبلغ وقفا عنده فبقي في كتم العدم أمور جمة غير متناهية وبقي الإمكان على غير المتناهي من غير أن يخرج من القوة إلى الفعل فواجب الوجود نظم النظام ورتب الأكوان والأجسام وحفظ نظامها باللانهاية في الحادثات وكان أشرف الحادثات المتعلقة بالمواد هي النفوس الناطقة وكان غير جائز
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 174
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص١٧٤