هو ممكنية الشيء لا غير وهو بمعنى واحد حصل في المبدع والكائن لكن ما به الممكنية قد يكون نفس ماهية الشيء كما في المبدعات وقد يكون صفة في قابله وهيولاه إذا عقلت تلك الصفة عقلت أنها إمكان وجود الصورة وما يجري مجراها له وهذا كصحن بيت أو سعة حوض فإنه صفة البيت والحوض إذا أحضرا في الذهن وأحضر قدر ما وسعاه من الرجال أو الماء كان إمكان وجودهما فبهذا ينحل شبهة من يقول إن الإمكان الذي هو قسيم الضرورة والامتناع غير الذي يوجد في مادة الحادثات كما مر وكذا ينحل شبهة من يقول إن الموجود كيف يكون مضافا إلى المعدوم وإن الصفة كالصحن معنى وجودي والقوة معنى عدمي كان الجواب أنها بالقياس إلى ما هي إمكان له وقوة عليه معنى عدمي والصحن بالقياس إلى ما يسعه من الرجال لا بالقياس إلى الوجود معنى عدمي وهذا لا ينافي كونه في نفسه موجودا والإمكان الذي قيل إنه معنى عدمي هو بالقياس إلى نفس الوجود هو الإمكان الذاتي دون القوة الاستعدادية وليس أيضا يلزم أن يكون كل من المتضايفين موجودا في الأعيان كما علمت من قبل فثبت أن الإمكان الذي يعدم عند الفعل فهو في نفسه معنى وجودي فله سبب ولا محالة يكون حادثا ويسبقه لا محالة إمكان آخر وهكذا من غير انقطاع ثم الهيولى إنما يقوى على أن يكون بالفعل شيئا بالصورة لا على أن توجد فإنها قوة محضة وإمكان الصورة هو أن توجد لا على أن يصير بالفعل شيئا فإنها هي فعل لا محالة فاعلم هذه الدقائق فإنها نافعة جدا ولا تجدها مجتمعة في غير هذا الشرح إلا في كتبي مع لواحق ومتفرعات هي العمدة الوثقى والنور الأسنى والحكمة العليا والمعرفة القصيا
[ في بيان تضعيف آراء الأقدمين في أمر القوة ]
قوله ونقول إن هذه الفصول التي أوردناها توهم إلى آخره المراد بهذه الفصول هي الأحكام المتعددة المذكورة في هذا الفصل من أحوال القوة والفعل ومنشأ هذا التوهم هو أن كل حادث يتقدمه إمكان وجوده وأن القوى مبادي الأفعال وأن القدرة ضرب من القوة وكذا المذكور في بعض المواضع أن الإمكان من المراتب السابقة على الوجود فيقال أمكن فاحتاج فأوجب فوجد وكذا ما توهم بعضهم من تقدم الماهية على الوجود والجنس على الفصل والمادة على الصورة ولأجل هذه الأمور قالت طائفة من عامة الفلاسفة قبل نضج الحكمة وطبخ الفلسفة أن القوة على الإطلاق قبل الفعل وأن المادة قبل الصورة مطلقا ذاتا وزمانا فجعلوا المبدأ الأول أمرا بالقوة وتشعبوا في ذلك إلى مذاهب متفرقة حكاها الشيخ عنهم وعمدة ما حداهم إلى ذلك ما وجدوا في البزور والنطف أنها قبل النبات والحيوان ولم يعلموا أن الإمكانات والقوى والاستعدادات لا يقوم بذاتها لأنها من حيث هي كذلك أعدام الملكات فلا بد فيها من أمور وجودية هي ذوات بالفعل لكنها عادمة لكمالات أخرى فنقول إن الأمر في الأشخاص الجزئية الحادثة كما ذكروه فإن قوة زيد قبل فعله وإمكانه قبل وجوده إلا أن قوة زيد قائم بوجود عمرو الذي هو أبوه فتقدم القوة على الفعل تقدم زماني وتقدم الفعل على القوة تقدم ذاتي والتقدم الذاتي أولى بالاعتبار من التقدم الزماني لأن المتقدم بالذات علة بالذات والمتقدم بالزمان علة بالعرض كما ستعلم في المقالة السادسة وما بالذات أولى بالاعتبار مما بالعرض على أنه لا يتحقق قوة إلا ويكون قبله بالزمان فعل أيضا وإن كان في شخص آخر ألا ترى أن الدجاجة من البيض والبيض أيضا من الدجاجة وكل إنسان من نطفة وكل نطفة من إنسان ولا شك أن الإنسان أولى بالتقديم من النطفة سواء اعتبر بحسب الزمان أو بحسب الذات أو بحسب الفضيلة فمن هذه الجهات يكون الفعل أسبق من القوة هذا في الكائنات الجزئية الفاسدة وأما الأمور الكلية والأشخاص المبدعة فلا شك أنها لا يتقدمها قوة ولا إمكان وما قيل إن الإمكان من المراتب السابقة على الوجود فذلك من جهة ما يكون الملحوظ حال الشيء بحسب نفس ماهيته من حيث هي هي وليست باعتبار نفسها مجعولة ولا متعلقة لشيء أصلا بل المجعول والمفاض بالذات هو الوجود لا غير فما لم يكن وجود لا يعقل ماهيته لكن إذا تحقق الوجود والماهية من علة فللعقل أن يلاحظ المعاني الثابتة له الصادقة عليه لذاته بلا جعل وتأثير وهي المسماة بماهية الشيء إذا لاحظها من حيث هي هي وحدها في ذاتها لا موجودة ولا معدومة فيصفها بالإمكان ولا شك أن في نسبة الوجود إليها لا بد من مرجح وسبب لتساوي نسبتها إلى الطرفين فحكم عليها بعد الإمكان بالحاجة إلى السبب ثم وجد أن السبب ما لم يكن موجبا تاما لا يمكن حصول نسبة الموجودية إليها فحكم عليها بالإيجاب بعد الإمكان والحاجة فالوجود بالقياس إليها أي نسبة الموجودية إليها متأخرة عنها بهذه المراتب وهذا لا ينافي كون ما هو الوجود بالحقيقة متقدما في نفس الأمر لأنه الأصل في الموجودية وأنت تعلم أن كل ما اعتبر من المعاني والأشياء حتى نفس القوة والعدم والإضافة كان حاله بحسب اعتبار نفسه متقدما على كل شيء بالإضافة إليه وهذا لا ينافي تأخره عن سائر الأشياء في الواقع فإذن قد ثبت أن الأشياء الدائمة لا يسبقها قوة وإمكان الواقع وأن القوة متأخرة عن الفعل بجميع وجوه التأخر منها ما علمت أنها أمر إضافي لا يقوم بذاتها فيحتاج أن يقوم بجوهر قائم بذاته يكون موجودا بالفعل إذ الشيء ما لم يكن بالفعل لم يكن مستعدا لقبول شيء إذ الليس المطلق لا يوصف بأنه ممكن ومنها أن الشيء الذي بالقوة لو لم يكن من شأنه أن يخرج من القوة إلى الفعل فليس هو بالقوة ولا يمكن أن يخرج بنفسه من القوة إلى الفعل بل بشيء غيره يكون بالفعل وقت كون ذلك الشيء بالقوة ثم ذلك الشيء إن لم يكن بالفعل أبدا فلا بد لصيرورته بالفعل بعد القوة من مخرج آخر يخرجه من القوة إلى الفعل وينقل الكلام إلى ذلك المخرج أيضا حتى ينتهي إلى أمر هو بالفعل دائما وكثيرا ما يكون القوة يخرج إلى الفعل بشيء من جنس ذلك الفعل أو من نوعه موجود قبله بالزمان كالحار يسخن فيوجد منه
حار والبارد فيبرد فيوجد منه بارد وكالنار يحصل