مختلفة مع الشعور بتلك الأفعال وذلك هي القوة النفسانية الموجودة في الحيوانات الأرضية فهذه ذكر أقسام القوة وحدودها وموضوعاتها واعلم أن الصورة النوعية قد يطلق على طبائع البسائط كما يطلق الطبيعة أيضا كالطبائع على كل صورة النوعية وكذا يطلق الصورة على النفس أيضا والكل صحيح كل منهما باعتبار ويظهر مما ذكرنا أن القوة ليست مقولة على ما تحتها قول الجنس لأن بعضها صورة جوهرية وبعضها أعراض من باب الكيف ولا يمكن أن يكون أقسام الصور الجوهرية والأعراض الكيفية مندرجة تحت جنس واحد وإنما هي من أقسام الموجود بما هو موجود وليرجع إلى المتن
[ في بيان معنى قدرة الواجب تعالى ]
قوله وقد يشكل من هذه الجملة إلى آخره اعلم أن جماعة من المتكلمين ومن يحذو حذوهم يريدون أن ينظروا في العقليات نظرهم في السمعيات وفي الإلهيات نظرهم في الجسميات ولم يتعد طورهم عن طور الأفهام العامية والمدارك الجمهورية ثم لما سمعوا أن الباري جل ذكره عالم قادر مريد ولم يعلموا من هذه الصفات إلا ما شاهدوه من نفوسهم ونفوس بعض الحيوانات ولم يعلموا من العلم إلا صفة عارضة ولا من القدرة إلا كيفية بها يتمكن الحيوان من الفعل والترك ولا يكفي تلك الصفة في صدور أحد الطرفين ما لم ينضم إليها شيء آخر من مرجح أو داع أو قاسر أو قاهر فهي بالقوة والإمكان أشبه منها بالفعل والحصول فالذي يفعل دائما ولا يتغير فعله لا يسمونه قادرا وإن كانت فاعليته بعلم وشعور كما أن الوجود الذي لا يغيب عن ذاته لا يسمونه عالما إذ العلم عندهم إضافة بين شيئين يسمى بها أحدهما عالما والآخر معلوما والشيخ أراد أن ينقض مذهبهم المنبعث إما من إدراك المحسوسات أو مدلولات الألفاظ من طريقهم أما الأول فإنهم لما رأوا قدرة الإنسان الذي هو أكمل الحيوانات متحققة بأنه يريد شيئا كالحركة فيفعله ثم يريد ضده كالسكون فيفعله أو لا يريده فيتركه ظنوا أن كل قادر كذلك فمنعوا وجود قادر يفعل دائما أو يترك دائما وهذا القياس باطل فإن مناط القدرة في الإنسان ليس بأن يفعل بعض الأوقات أو دائما بل بأن له حالة يجوز أن يفعل بها ما يريده سواء أراد ففعل أو لم يرد فلم يفعل وسواء أراد دائما ففعل دائما أو لا فمن فعل شيئا دائما بإرادة دائمة فكان قادرا عليه لا محالة وأما الثاني فإنهم لما وجدوا أنهم يقولون في تفسير القادر إنه إذا شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل توهموا أنه لا بد في تحقق هذه القضية أن يكون القادر هو الذي يفعل تارة ولا يفعل أخرى وهذا أيضا فاسد إذ لا دلالة لهذا اللفظ على ما ادعوه فإن الذي يفعل دائما فقط إن كان يفعل من غير أن يشاء ويريد يصدق أنه ليس بقادر فلا قدرة له ولا قوة بهذا المعنى وإنما له قوة بنوع آخر كطبع أو قسر أو تسخير أو غير ذلك وإن كان مبدأ فعله شعور وإرادة سواء كان تخيليا أو وهميا أو عقليا عقلا زائدا على الذات أو عقلا هو نفس ذات الفاعل بما هو فاعل وسواء كان العلم والإرادة دائما غير متغير وإما اتفاقيا أو لزوميا مستحيل الانفكاك والتغير فإنه في جميع هذه الأقسام قادر يفعل بقدرة وإرادة بالضرورة ويكون القضية يعني قولنا إذا شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل صادقة فإن كلتي هاتين القضيتين الداخلتين في تفسير القدرة وتحديدها شرطيتان والشرطية لا يتعلق صدقها وصحتها بأن يكون شطراها صادقين ولا أيضا أن يكون أحدهما صادقا فإنه يصح أن يكون كلا الجزءين كاذبين كقولنا لو كان الإنسان طيارا لكان يتحرك في الجو وقولنا لو لم يكن الإنسان حيوانا لم يكن دراكا وكقولك لو أراد الباري الظلم الفعل ولو لم يرد إيجاد العالم لم يفعل فالمقدم والتالي جميعا في هذه القضايا الأربع كاذبان ويصح أيضا أن يكون المقدم كاذبا والتالي صادقا مع صحة الشرطية كما يقال لو كان الإنسان طائرا لكان حيوانا وليس أيضا يتوقف صدق القول الشرطي هناك على استثناء وصدق حملي فإذن ليس يلزم من صدق قولنا إن شاء فعل إنه شاء حتى يصح هذه القضية ولا أيضا يلزم من صدق قولنا إن لم يشأ لم يفعل إنه لم يشأ فصحت بهذه القضية القدرة وإن خلت عن الاستثناء لعين المقدم فيهما فكذب المقدم في أحداهما لا يوجب كذبها فليس إذا كذب قولنا إنه لا يشاء كما عند الفلاسفة لزم كذب قولنا إذا لم يشأ لم يفعل لما علمت فإذن كان لا ينبغي التنازع بين الفلاسفة والمتأخرين في إثبات قدرة الله تعالى لأنهما جميعا متفقان في تحقق هذا القول الشرطي الواقع في تحديد القدرة فيكون المقدم في إحدى القضيتين صادقا متحققا بل واجب التحقق واجب الصدق والحصول وفي الأخرى كاذبا غير متحقق بل يمتنع التحقق في حقه تعالى عند الفلاسفة والمتكلمين بالعكس من ذلك صدقا وكذبا فالتنازع في شيء خارج عن حد القدرة ومعناها فذلك نزاع في قدم العالم وحدوثه بناء على أفهام الجمهور وإن
كان الثابت عندنا أمرا آخر ستقف عليه وهو ثبوت الإرادة القديمة الأزلية مع حدوث العالم وتجدد وجوده ودثوره على وجه يوافق قوانين الحكمة وآراء الحكماء الإلهين وليس هاهنا موضع بيانه وبالجملة القدرة أينما يحصل يتعلق بالمشية لكن مشية الأول تعالى يستحيل أن يكون بالإمكان إذ ليس هناك حيثية إمكانية ولا صفة زائدة ولا دواع مختلفة ولا قسر ولا قهر ولا جزاف اتفاقي بل هناك وجوب فقط بلا إمكان وفعل صرف بلا قوة وجود محض بلا بخل ولا تقتير فالقدرة هناك تامة كاملة لا يتعلق بأمر خارج من انبعاث داعية أو شوق أو زوال مانع أو حضور معاون أو صلوح وقت أو حصول قابل وهي بخلاف القدرة فينا فإنها نفس القوة بمعنى الإمكان فإن القادر منا يحتاج في قدرته لتساوي طرفي الفعل والترك إليها إلى أمر زائد على ذات القادر وقدرته يتعلق به إرادته الموجبة لقدرته من الدواعي