عدول حتى يكون معناه أنه يثبت أن لا يكون له الوجود بل هي بمعنى السلب فإن الفعل لا يعطف على الاسم انتهت عبارته وفيه موضع نظر إذ كما أن الماهية الممكنة الموجودة في الخارج اعتبارين عقليين بحسب الخارج اعتبار وجودها واعتبار نفسها من حيث هي فإن الموجود هناك اثنان وإن كان الوجود واحدا كما هو المقرر عندهم من كون الكلي الطبيعي وهو الماهية من حيث هي موجودا في الخارج بنفس الوجود فكذلك الماهية المعدومة معدومة مرتفعة عن الواقع بنفس ارتفاع الوجود فالمعدوم الممكن أيضا له اعتباران عقليان بحسب الخارج وإن كانا على سبيل التطفل اعتبار رفع الوجود واعتبار رفع الماهية برفعه فالمعدوم هناك اثنان وإن كان العدم واحدا على طريق الوجود ولهذا قيل كل ممكن زوج تركيبي مطلقا من غير تخصيص بحالة الوجود فقد علم أن تجرد الممكن عن سبب الوجود وعن سبب العدم كليهما محال ومع كل من السببين له مرتبة خالية عنهما فكما ليس لها حال الوجود وجود بعد العدم بعدية ذاتية فكذا ليس لها حال العدم عدم بعد الوجود بعدية ذاتية فلم يتم معنى الحدوث إذ تمامه بوجود لاحق وعدم سابق إذا كان صفة للوجود أو بعدم لاحق ووجود سابق إذا كان الحدوث صفة للعدم والتحقيق في هذا المقام يتوقف على الرجوع إلى ما حققناه في كيفية اتصاف الماهية بالوجود على طريقة الجمهور القائلين بكون الوجود صفة عارضة فإنهم قد تحيروا في كيفية ذلك حتى استثنى بعضهم من القاعدة الكلية القائلة بالفرعية الاتصاف بالوجود وانتقل بعضهم من تلك القاعدة إلى قاعدة الاستلزام دون الفرعية وبعضهم أنكر أن للوجود اعتبارا سواء كان في الخارج أو في الذهن وإنما موجودية الشيء عنده عبارة عن اتحاده بمفهوم الوجود كما في سائر المشتقات أيضا عنده سواء كانت لها مباد أم لا فالأبيضية عبارة عن اتحاد الشيء بمفهوم الأبيض وهو معنى بسيط لا يدخل فيه معنى آخر ولذلك يعبر عنه بالفارسية بسفيد وكذا في نظائره فإن مثل ذلك الإشكال يرد في اتصاف الماهية بالوجود حيث إن ثبوته لها متفرع على ثبوتها فيلزم أن يكون الماهية قبل وجودها موجودة وبالجملة مناط تقدم الشيء على شيء أي تقدم كان في أية صفة كانت أن يكون للمتقدم وجود قبل المتأخر وللمتأخر عدم في مرتبة المتقدم فالتقدم الزماني عبارة عن كون المتقدم حاصلا في زمان ولم يحصل فيه المتأخر فهكذا في التقدم الذاتي فإذا كان للماهية تقدم على الوجود فلا بد أن يكون للماهية مرتبة من الكون والوجود لم يكن الوجود كائنا في تلك المرتبة على أن كل اعتبار أو حيثية سواء كان وجوديا أو عدميا إذا اعتبر مع الماهية في أي مرتبة كانت يلزم من اعتبارها اعتبار ضرب من الوجود فكيف يقال إنها متقدمة على الوجود سيما المطلق حتى يلزم الحدوث الذاتي لوجودها أو عدمها وأما التحقيق المرجوع إليه الذي ينحل به الإشكال في كلا المقامين فهو أن الماهية وإن كانت غير معراة في الواقع عن الوجود وعلته وعن العدم وعلته لكن للعقل أن يلاحظها في ذاتها مجردة عن كافة الوجودات والعدمات فيصفها بشيء منهما وهذه الملاحظة ليست بمجرد تعمل العقل واختراعه ليكون كاذبا بل لكون كل ما هو غير الماهية من الصفات إذا اعتبرت معها كانت خارجة عنها زائدة عليها عارضة لها فلها في حد نفسها ومن حيث اعتبار ذاتها بذاتها تجرد عما عداها لكن هذا التجرد أيضا نحو من أنحاء وجود الشيء لا بتعمل العقل فلها باعتبار هذه الملاحظة الذي هو خلوها عن كل الوجودات ضرب من الوجود كما أن تعري الهيولى عن جميع أنحاء الفعلية بحسب جوهر ذاتها ضرب من الفعلية فكونها بالقوة في ذاتها الذي يوجب تقدمها على كل هيئة وصورة ومقابلاتها تقدم العلة القابلة على المقبول مع أن القابل بما هو قابل يجب أن يكون ذاته موجودة قبل المقبول فهل يصح ذلك إلا بأن يقال إن قوة الوجودات فيها ضرب من الوجود والفعلية لأنها جوهر ضعيفة الوجود في غاية الضعف فهكذا حال الماهية بالقياس إلى مطلق الوجود فإن الكلي الطبيعي نحو وجودها بالذات التي ينسب إليه في ذاته ليس أقوى مما أثبتناه فاعلم ذلك فإنه مسلك دقيق عجيب قوله ومما يشكل هاهنا أمر القوة والفعل إلى آخره اعلم أن البحث عن أحوال القوة والفعل وأن أيهما أقدم في التحقق من المباحث المهمة في العلم الأعلى المناسبة للفلسفة الأولى لوجوه الأول أن القوة ضرب من العدم والفعل ضرب من الوجود
والبحث عن أحوال الوجود والعدم لا يقع إلا هاهنا الثاني أن القوة كالمادة والفعل كالصورة فالبحث عنهما كالبحث عن المادة والصورة مما يجب الاعتناء به والاهتمام له الثالث أن القوة تشابه الإمكان الذاتي هو من أحوال الماهية من حيث ذاتها لأن مرجعها الإمكان الاستعدادي الذي هو حال المادة الموجودة والفعلية تشابه الوجوب فيليق البحث عنهما في هذا العلم الرابع أن معرفة أن أيهما أقدم من الآخر وتحقيق ذلك شديد المناسبة لمباحث التقدم والتأخر إذ بمعرفتها يظهر بعض أقسام التقدم والتأخر زيادة ظهور وانكشاف إذ لكل منهما نوع تقدم على الآخر فإن للقوة تقدما على الفعل في الزمانيات بالزمان وبالطبع وللفعل تقدما عليها مطلقا بالشرف والكمال وبالذات والحقيقة كما ستعرف الكيفية في جميع ذلك
[ الفصل الثاني : في القوة والفعل والقدرة والعجز ]
قوله في القوة والفعل والقدرة إلى آخره يريد أن يذكر في هذا الفصل أولا معاني لفظ القوة من الأمور التي يطلق عليها هذا اللفظ بالاشتراك والحقيقة والمجاز والانتقالات الواقعة من بعضها إلى بعض في إطلاقها ثم تبين أن القدرة التي هي ضرب من القوة بأحد المعاني ليس من شرطها أن لا يكون إلا فيما شأنه أن يفعل تارة ولا يفعل أخرى بل الذي بمشيته يفعل دائما ولكن لا يتغير مشيته وفعله وإرادته حري بأن يسمى قادرا إذا كانت إرادته سببا