لفعله سواء كانت غير ذاته أو زائدا عليه بل هو أحرى وأليق بأن يسمى قادرا مختارا من الذي يختار لا لذاته بل لداع خارجي كما هو مذهب بعض المتكلمين أولا لداع أيضا بل على وجه الجزاف كما رآه آخرون أعني الأشاعرة وذلك لأن اختياره وجود الفعل ممن لم يتغير اختياره فيه على وجه يطرد العدم بالكلية لا في وقت خاص بعد وقت ثم تبين أن القوى التي هي مباد الحركات والأفعال منها ما هي تامة الفعل ومنها ما هي غيرها فالقوى الفعلية إذا كانت مقرونة بالتخيل كما في الحيوان أو بالنطق كما في الإنسان كانت غير تامة القدرة فيحتاج إلى انضمام داع أو صارف خارجين حتى يتم في فعليتها ولهذا يتعلق بكلا الطرفين فيصدر عن قوة واحدة الحركة والسكون ويدرك بقوة واحدة الإنسان اللاإنسان ويتوهم بوهم واحد اللذة والألم ويقع من مبدأ واحد الشهوة والغضب وكذلك القوى التي هي مبادي الانفعالات قد يكون تامة وقد يكون ناقصة وقد يكون قريبة وقد يكون بعيدة وكلما كان أنقص وأبعد كان المقوي بها عليه أكثر وأبعد القوى الانفعالة هي الهيولى الأولى ولذلك يقوي على الأشياء لا نهاية لها كما أن الباري تعالى يفعل أشياء غير متناهية ثم يذكر أن من القوى الفعلية والانفعالية ما يحصل بالطبع ومنها ما يحصل بالعادة ومنها ما يحصل بالصناعة ومنها ما يحصل بالاتفاق ويذكر الفرق بين هذه الأصناف ثم يبطل مذهب من يرى من المتكلمين وفاقا لطائفة من الأقدمين أن القوة لا يكون إلا مع الفعل وزيف رأيهم ويبرهن على فساد قولهم ثم بين أن القوة على الشيء أي إمكان وجوده بعد ما لم يكن لا يمكن أن يكون جوهرا قائما بذاته بل يجب أن يكون قائما بموضوع له تعلق ما بذلك الموضوع بوجه من الوجوه أعم من تعلق العرض بموضوعه أو الصورة بمادتها أو المركب بجزئه أو النفس ببدنه ويفصل القول في ذلك ثم يرجع ويقول قولا مجملا إن كل حادث بعد ما لم يكن لا بد أن يسبقه مادة ويبرهن عليه ثم ينعطف إلى إبطال مذهب من يرى أن القوة على الإطلاق متقدمة على الفعل كما ذهب إليه طائفة من عامة القدماء وما يلزم من ذلك من جعل المبدإ الأول شيئا ناقصا خسيسا كالظلمة أو الهاوية أو شيء لا يتناهى
[ في بيان معاني القوة ]
قوله إن لفظ القوة وما يرادفها إلى آخره أن مفهوم لفظ القوة يقال بالاشتراك الاسمي على أمور كثيرة ويقع فيها بقول كثير ولكنها وضعت أول ما وضعت للمعنى الموجود في الحيوان الذي به يمكنه أن يكون مصدر الأفعال شاقة من باب الحركات والتحريكات ليست بأكثرية الوجود عن نوعه سواء كانت بحسب الكمية أو بحسب الكيفية ويسمى ضد هذا المعنى الضعف وكأنه زيادة وشدة في المعنى الذي هو القدرة التي هي إحدى الكيفيات النفسانية والملكات الحيوانية المفسرة يكون الحيوان إذا شاء فعل وإذا لم يشأ لم يفعل وضدها العجز بل يقول إن القوة بالمعنى الأول مبدأ أو لازما أما المبدأ فهو القدرة التي للحيوان وأما اللازم فهو أن لا ينفعل الشيء بسهولة فجعلت القوة للمعنى الذي لا ينفعل لأجله وبسببه الشيء بسهولة فإن المزاول الحركات الكثيرة ومباشر الأفعال الشاقة أن يطرأ له انفعال ويلحقه ضعف ووهن فصار انفعاله والألم العارض له مما يصده عن إتمام فعله فلا جرم صارا للانفعال دليلا على الشدة والانفعال الظاهر المحسوس دليلا على الضعف وإذا ثبت ذلك فنقول إن الجمهور نقلوا اسم القوة إلى ذلك المبدإ فسموا القدرة قوة وإلى ذلك اللازم فسموا للانفعال قوة ثم نقول إن القوة على ذلك المعنى لها وصف عام كالجنس لها ولها لازم أيضا أما الذي كالجنس فكونها صفة مؤثرة في الغير وأما اللازم فهو الإمكان لأن القادر لما صح منه أن يفعل وصح منه أن لا يفعل كان صدور الفعل كلا صدوره عنه في محل الإمكان فكان الإمكان الوقوعي لازما لوجوده وإذا ثبت ذلك فاعلم أن الفلاسفة نقلوا اسم القوة تارة إلى الجنس فأطلقوا لفظ القوة على كل صفة أو حال في شيء مؤثرة في الغير من حيث هو غير سواء كانت جوهرا أو عرضا وكانت معها إرادة أو لم يكن حتى إنهم سموا الحرارة قوة من حيث إن لها تأثيرا في غيرها وكذا الطبيعة الجوهرية إذا حركت ذاتها بالحركات الطبيعية أو غيرها بالحركات القسرية أو النفس إذا عالجت نفسها في الأمراض النفسانية أو شخصها أو غير شخصها في الأمراض البدنية يسمى كلها قوة لأن كلا منها مبدأ التغير منه في آخر من حيث هي آخر حتى إذا كان مبدأ للتغير منه في نفسه كما في بعض هذه الأمثلة لم يكن ذلك لأنه هو ونفسه شيء واحد بالذات بل لأنه ونفسه شيئان مختلفان بوجه من الوجوه المكثرة للذات من اختلاف الحيثيات التقيدية ولا يكفي هاهنا اختلاف الحيثيات التعليلية فالنفس مثلا إذا صارت مبدأ لمعالجة نفسها فهي بما لها ملكة العلاج أعني الصورة العلمية الراسخة معالجة وبما لها قوة القبول والانفعال مستعجلة فليست من حيث هي أمر قابل للعلاج مبدأ له بل من حيث هي غيره فكان هاهنا شيئين مفترقين في جزءين لها شيء له قوة أن يفعل وشيء له قوة أن ينفعل وكذلك للمتحرك بطبعه شيئان صورة ومادة فهو المحرك بصورته والمتحرك بمادته وتارة نقلوا اسمها إلى ذلك اللازم وهو الإمكان فيقولون للثوب الأبيض إنه بالقوة أسود أي يمكن أن يصير أسودا وذلك لأنهم أي الفلاسفة حيث وجدوا الشيء الذي له القوة بالمعنى المشهور الأعم سواء كانت قدرة أو شدة في قوة أو عرضا أو طبيعة أو صورة أو نفسها ثانية أو حيوانية أو نفسانية فاعلة لشيء أو منفعلة عن شيء ليس من شرطها أن يكون بالفعل مبدأ فعل أو انفعال بل لها من حيث هي قوة على الإطلاق إمكان أن يفعل وأن لا يفعل إن كانت قوة على الفعل وإمكان أن تنفعل وأن لا تنفعل إن كانت قوة على الانفعال نقلوا اسم القوة إلى الإمكان فسموا الشيء الذي وجوده في حد الإمكان ليس بحسب الواقع موجودا بالقوة وهو المعدوم المترقب وجوده وهذا الإمكان ليس صفة له لأنه غير موجود بعد بل