والأسباب المختلفة والأعراض المتلاحقة وغير ذلك مثل الآلة كحاجة الكاتب في اختيار كتابته إلى القلم والنجار في إرادة نجره إلى المنحت أو القابل كحاجتهما إلى القرطاس والخشب أو المعاون كحاجة النشار إلى وجود مشارك آخر يتم بهما إرادة الفعل الذي هو النشر أو صلوح الوقت كحاجة متخذ الأديم إلى وقت الصيف أو وجود مقتض كحاجة مريد الأكل أو الجماع إلى شهوة البطن أو الفرج أو زوال المانع كحاجة مريد الحركة في الحبس إلى زوال القيد وما يجري مجرى هذه الدواعي والأسباب فمن لم يعرف قدرة الله تعالى على ذلك التنزيه قد وقع في التجسيم والتشبيه تعالى عما يقوله المجسمة والمعطلة علوا كبيرا فإن قلت فما تقول في القدرة إذا فسر بكون الفاعل بحيث يصح منه الفعل ومقابله جميعا والباري جل اسمه لا يصح منه حصول الطرفين فكيف يجوز إطلاق القادر بهذا المعنى عليه تعالى قلنا هذه الصحة والإمكان بالنظر إلى نفس القدرة لا ينافي الوجوب بالنظر إلى صفة الإرادة والعلم الداعيين إلى إيجاد العالم وإن كانت صفاته تعالى كلها متحدة في الوجود وكما أن نسبة الإمكان إلى الوجوب نسبة النقص إلى الكمال ونسبة الشيء إلى تأكده فكذلك نسبة بعض الصفات إلى البعض فمبدئية القدرة لصدور الموجودات مبدئية بالإمكان ومبدئية العلم والإرادة مبدئية بالوجوب ولا منافاة بينهما فاعلم ذلك فإنه دقيق غامض
[ في بيان القوة المقارنة بالنطق ]
قوله وهذه القوى التي هي مبادي الحركات والأفعال إلى آخره يريد تقسيم القوة الفاعلية التي هي أعم من القدرة إلى التامة والناقصة وكذا القوة الانفعالية إليهما ليظهر أن القدرة فينا وفي كثير من ذوات القدرة ناقصة في الفاعلية والتأثير بأن يقال إن هذه القوى التي هي في عالمنا هذا مباد للحركات والأفاعيل التي هي أيضا من باب الحركات والاستحالات بعضها قوى يقارن النطق والتخيل وبعضها ليس كذلك والمراد بالنطق الإدراك العقلي الحاصل بالفكر أو بغيره على وجه التجدد والحدوث وبالتخيل أيضا الإدراك الجزئي الباطني الحادث عقيب الإحساس وهذان الأخيران إدراكان لا يوجدان في المبادي العالية إذ لا تغير في ذاتها ولا في إدراكاتها ولا في فعلها فإدراكاتها لا يتعلق بالشيء وضده وكذا فعلها على سنة واحدة فمبادي إدراكاتها كمبادي أفعالها لا يتعلق بالطرفين وذلك بخلاف قوانا الفعلية والإدراكية فنحن نعلم بقوة واحدة عقلية الإنسان واللاإنسان وندرك بوهم واحد أمر اللذة والألم ونفعل بقدرة واحدة الحركة والسكون فظهر أن قوانا الفعلية وكذا الإدراكية ليست تامة بل كلها مبادي ناقصة ليس شيء منها كالمبادي العالية ولا يبعد أن يكون في الجواهر المفارقة مبدأ الفعل ومبدأ الإدراك كلاهما قوة واحدة كالواجب جل ذكره حيث إن علمه وقدرته شيء واحد وكذلك معلوماته بما هي معلوماته بعينها مقدوراته وبالعكس وسيجيء تحقيقه وذلك غير متصور في النفوس الحيوانية الأرضية حيث إن مبدأ فعلها غير مبدأ إدراكها لكن مع ذلك مبدأ فعلها يجانس مبدأ إدراكها ولهذا قال والتي هي القوى الفعلية التي يقارن النطق والتخيل يجانس النطق والتخيل فإن الإرادة والقدرة النطقيين من جنس الإدراك النطقي فالتابع للاعتقاد العقلي إرادة عقلية يتم بها قدرة عقلية مرتب عليها ما يناسبها من الأفعال كفعل الخيرات والعبادات العقلية ووضع الشرائع والنواميس الإلهية وتدبير المملكة والسياسات الدينية والإرادة التخيلية والتخيل الوهمي وهي كالشهوة والغضب التابعين للاعتقاد الوهمي والذي يترتب عليها من الأفعال ما يناسبها كقضاء الشهوات للبطن والفرج وفعل الانتقام والظفر على العدو وبالجملة إذا صدر عن الإنسان أو غيره من الحيوان فعل بالقدرة فلا بد هاهنا أولا من تصور ذلك الفعل تصورا من جنسه ومن تصديق واعتقاد عقلي أو وهمي ثم ما ينبعث عن أحدهما من إرادة أو شوق حيواني ثم مع ذلك لا بد من زيادة تأكد وإجماع فإن كلا من الإرادة والشوق الحيواني قابلان للشدة والضعف ولا يكفي في انبعاث القدرة أصل الإرادة المميلة إياها على أحد الطرفين ما لم يبلغ حد الجزم ولا الشوق الناقص إليه ما لم يشتد فإذا تمت الإرادة المتعلقة بفعل لزم صدوره من غير تخلف بالضرورة وكذا الشوق الحيواني إذا اشتد وقع الفعل المتعلق به إذا لم يكن مانع من خارج أو داخل فإن الإنسان كالمرء الصالح ربما يشتد شوقه إلى فعل شهواني فيقبح فينصرف عنه ولا يريده لوجود مانع وصارف داخلي من عقل أو شرع فعلم من هذا أن الإرادة الجازمة لا يمكن أن يتخلف فإن الشوق في الحيوان بما هو حيوان رئيس القوى الفعلية كما أن الوهم فيه رئيس القوى الإدراكية وأما في الحيوان النطقي بما هو حيوان ناطق فرئيسها بعد العقل العملي الإرادة وبعدها الشوق المنشعب إلى الشهوة والغضب وبعده القدرة المباشرة للفعل وهو تحريك العضلات وليس أن كل فعل يفعله الإنسان مما يحتاج فيه إلى توسط شوق حيواني بل ذلك في أفعال الشهوية والغضبية فتأمّل فيما ذكرناه فإن بعض المتأخرين المشهورين بالتعميق والتحقيق وقع في الخبط والغلط فظن أن الإرادة لا يكون إلا بعد الشوق نظرا إلى ظاهر قول الحكماء إن الشوق معدود في مبادي الأفعال الحيوانية والحق ما حصلناه من أن الإرادة والشوق متغايران كالكراهة والنفرة إذا علمت هذا فاعلم أن هذه القوى المقارنة للنطق والتخيل إذا خليت بأنفسها فهي ناقصة في كونها مبدأ في شيء آخر غير تامة إلا إذا صارت مقرونة إما بإرادة منبعثة عن اعتقاد ورائي عقلي تابع لتصور عقلي بطرفيه إذا كان الاعتقاد بديهيا