هذه القوة هي القوة الانفعالية لأن يصير الشيء رجلا بالفعل والتي قبلها هي قوة القوة وإمكان الإمكان فإن الإمكان أيضا قد يكون حاصلا لشيء بالفعل والوجوب وقد يكون له بالقوة والإمكان فالمني مثلا ليس يمكن له بالفعل أن يصير إنسانا بل ذلك هو يمكن له بالإمكان وقد لا يكون بالفعل ولا بالإمكان كالحجر والشجر والبقر فإن كلا منها فيه امتناع أن يصير إنسانا لا إمكانه ولا إمكان إمكانه واعلم أن جهة القوة الانفعالية يخالف جهة القوة الفعلية فإن جهة القوة الفعلية هي الوجود والتحصل وجهة القوة الانفعالية هي العدم والإبهام لا كل عدم شيء لشيء بل عدم شيء لشيء من شأنه أن يوجد له فكل ما فيه قوة أمر فلا بد فيه من تركيب أمرين يكون بأحدهما بالفعل وبالآخر بالقوة وكل مركب ينتهي إلى بسيط ولاستحالة التسلسل لا بد في الوجود من أمر يكون فعليته عين قوته فيكون فيه قوة جميع الأشياء كما لا بد في الوجود من أمر بسيط يكون محض الوجود بلا عدم والفعل بلا قوة وبذلك يثبت وجود الهيولى الأولى ووجود المبدإ الأول تعالى وهما في حاشيتي الوجود المطلق فالأول فاعل للكل لكونه في كل شيء بالفعل وله كل شيء بل هو كل الأشياء بالفعل والهيولى قابلة للكل لأنها في ذاتها فاقدة الكل ولها إمكان الكل فبحسب ما يحصل لها فعلية صورة يصدها عن قبول صورة غيرها وبحسب ما تلك الصورة من العدم والنقص يصير مبدأ لاستعداد قبول صورة أشرف وأكمل منها مثلا إذا تصورت الهيولى بصورة المني فمن جهة كون تلك الصورة أمرا جماديا بالفعل يعوقها عن قبول صورة أخرى من الصور الجمادية وغيرها ومن جهة كونها ناقصة الجمادية غير قوية الوجود يصير معدة لها لقبول صورة أخرى فوقها وهكذا إلى أن يبلغ في الكمال إلى قبول صورة العقل الفعال وهذا باب عظيم في الحكمة والمعرفة يحتاج إلى خوض شديد وتعمق تام مع ذهن ثاقب وقريحة لطيفة والجمهور في غفلة عريضة من دركه والحاصل أن الشيء كلما كان أشد وجودا وأقوى تحصلا كان أكثر فعلا وأقل انفعالا وكلما كان أضعف وجودا وأنقص تحصلا كان أكثر انفعالا وأقل فعلا فالباري سبحانه كما كان في غاية كمال الوجود وشدة الحصول كان فاعلا للكل وكانت قوته وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى والهيولى الأولى لما كانت محض القوة وكانت في ذاتها مبهمة الوجود غاية الإبهام لتعريها عن كافة الصور والفعليات كانت فيه قوة جميع الأشياء لست أقول استعدادها إذ الاستعداد هو القوة القريبة لشيء مخصوص ولا يكون إلا بسبب صورة خاصة فلا استعداد للهيولي في ذاتها إلا لصورة ما على الإطلاق وإنما يستعد لشيء خاص لأجل لحوق صفة خاصة بها فهي في ذاتها محض القوة لكل شيء ومحض الاستعداد لشيء ما مطلقا ولذلك من شأنها أن يقبل كل شيء ولهذا يعوق البعض لها عن بعض وأنت قد علمت فيما سبق من كلام الشيخ أن الاستعداد للهيولي فصل جنسها وهو الجوهرية التي مرجعها إلى مطلق الوجود مع قيد سلبي والاعتراض من الإشراقيين بأن الهيولى إذا كانت على هذه السزاجة من كونها محض الوجود مسلوبا عنه الزوائد كانت مثل واجب الوجود لأنه عندهم وجود محض مسلوب عنه الزوائد ساقط لأن الفرق بين القولين كالفرق بين السماء والأرض فكون الهيولى وجودا على الإطلاق معناه أنها لغاية القصور لا يكون شيئا مخصوصا ولا يحمل عليها شيء إلا مطلق الوجود العام الشامل لجميع الأشياء حتى الأعدام والملكات والقوى الاستعدادية فهي لأجل أنها قوة محضة تصدق عليها معنى الوجود المطلق فهي بهذا المعنى الوجود المطلق وإلا لكانت لاحقة بالعدم المحض وأما الواجب فهو صرف الوجود بمعنى أنه وجود متأكد لا يشوب بأمر عدمي بل جميع الحيثيات الوجودية مأخوذ منه ففيما ذكره خلط بين مفهوم الوجود المطلق وحقيقته الأصلية فإذن المادة الأولى قوة بعيدة بالنسبة إلى الكمالات الصورية فيحتاج إلى اقتران قوى فاعلية متعددة بعضها قبل بعض ليتصور بصورة كمالية كالجمادية والنباتية والحيوانية وكلما كانت الصورة الكمالية أتم وإلى الغاية الأخيرة التي ليست فوقها غاية أخرى أقرب كانت القوى الفعالية في المادة الأولى التي هي قبل القوة الفاعلة لتلك الصورة أكثر وكلما كانت أبعد من الغاية الأخيرة وأقرب إلى الهيولى كانت هي أقل وكذا الحكم في المواد
الصورية الثانوية كالمني بالنسبة إلى ما بعدها من الصور في القرب والبعد وفي كثرة السوابق من القوى العمالة وقلتها واعلم أن القوى الفعلية بعضها طبائع جوهرية وبعضها صنائع وعادات هي أحوال عرضية صارت ملكة مثال الأول القوى العمالة في النطفة حتى يبلغ إلى غاية الأخيرة وفي الغذاء حتى يصير في آخر الأمر عصبا ورباطا وعظما ثم يكسوه لحما ثم خلقا آخر ومثال الثاني ما ذكره الشيخ من القوى العمالة في الشجر حتى يصير مفتاحا من القوى القالعة والقوة الناشرة والقوة الناحتة وكالقوى العاملة في البر حتى يصير خبزا من القوة الطاحنة والعاجنة والمقطعة والمرقعة والخابزة وهذه القوى الفاعلية لا بد أن يكون متخالفة الذوات إن كانت من الضرب الأول أو متخالفة الصفات إن كانت من الثاني والتي من القبيل الأول هي طائفة من ملائكة الله العمالة في الأجسام بإذن الله وهي دون الملائكة المدبرة للخلائق التي هي دون الملائكة المقربين المستغرقين في شهود حلاله وجماله ولهذا ورد في الخبر أنه وكل الله بالإنسان فيما يرجع إلى الأكل والغذاء سبعة أملاك وهذا أقل إلى عشرة إلى مائة إلى ما وراء ذلك فنقول لا بد من ملك لجذب الغذاء إلى جوار العظم واللحم لأنه لا يتحرك بنفسه ومن آخر يمسكه في جوارهما ومن ثالث يخلع عنه صورة الدم ومن رابع يكسوه صورة العظم واللحم وغيرهما ومن خامس يدفع الفضل الزائد
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 166
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص١٦٦