تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
المواضع أن يشهد العقل من جهة حصول صورة العلية فيه واطلاعه على العلاقة اللزومية بينها وبين معلولها بأن المعلول قد حصل سابقا على هذا الوجود العلمي للعلة لكن لما لم يجب هذا في جميع المواضع فلم يلزم صدق القسم الآخر ولأجل هذه الدقيقة لم يحكم أيضا بكذب القسم الرابع من جهة الكلية الشاملة للطرفين كما حكم بكذب القسمين الأولين قوله وكذلك في جانب الرفع إلى آخره اعلم أنه كما أن وجود العلة متقدم على وجود المعلول كذا رفعها متقدم على رفعه ذلك التقدم فأحكام التقدم والتأخر في الجانبين سواء فكذا الشبهة وجوابها مطردان في الوجود والعدم وحيث كان كلام القائل المعترض مشتملا على إيقاع الشبهة من الطرفين فكان على الشيخ دفعها بحسبهما جميعا والذي ذكره إلى هاهنا كان دفعا للشبهة في جانب الوجود والذي يذكره الآن دفع للشبهة في طرف الرفع والشبهة فيه قول القائل إذا رفع كل منهما رفع الآخر فليس أحد الرفعين علة والآخر معلولا إذ ليس أحدهما أولى بأن يكون علة في نفس الأمر دون الآخر والجواب أن هذا الكلام مجمل يحتمل أقساما أربعة مثل ما سبق في جانب الوجود لاشتراك لفظة إذا بين الشرطية والظرفية ومعنى رفع بين رفع الوجود العيني ورفع الوجود العقلي فنقول بعض هذه الأقسام كاذب وبعضها غير قادح كما مر حذو النعل بالنعل والتحقيق فيهما أن وجود العلة وعدمها يوجبان وجود المعلول وعدمه لا العكس ولكن إذا علم وجود المعلول إذ عدمه دل ذلك على أن العلة قد وجدت حتى وجد المعلول أو عدمت حتى عدم المعلول وذلك لأن تحقق العلة من ضرورات تحقق المعلول وارتفاعه من ضرورات ارتفاعه وقد علمت أن للعلة وجوبا بالقياس إلى المعلول وإن لم يكن لها وجوب به فإذا فرضنا للمع تحققا أو ارتفاعا فقد فرضنا ما لا بد من فرضه وهو فرض العلة وجودا وعدما حتى أمكن له أحدهما وهذا الإمكان ليس المراد به الإمكان الذاتي الذي هو من لوازم الماهية بل الإمكان الوقوعي الحاصل للشيء من جهة العلة والمراد به العام فلا ينافي الوجوب بالغير وقوله بالقوة المراد به على الإجمال وإطلاقها على هذا المعنى شائع في كلامهم كما يقال العقل البسيط للباري سبحانه علم بالأشياء بالقوة يعني على الأجمال والحاصل أن إثبات العلة المقتضية ورفعها سبب لإثبات المعلول ورفعه وأما إثبات المعلول ورفعه فليس بسبب لإثبات العلة ورفعها بل علامة كاشفة لها ودليل دال عليها وذلك لأجل الوجوب الذي للعلة بالقياس إلى المعلول فوجود العلة من ضرورات وجود المعلول وعدمه من ضرورات عدمه كما أن وجود الجزء من ضرورات وجود الكل وإن لم يكن وجود بسبب الكل بل الأمر قد يكون بالعكس ولذلك يكون وجود الكل دليلا على وجود الجزء لا علة له وكذا عدمه دليل على عدم جزء ما لا علة له قوله فنقول في حل الشبهة إلى آخره الغرض هاهنا تحقيق المقام على وجه ينحل به الشبهة وإن وقع رفعها بما مر من الكلام كما علمت وذلك بأن يبين عدم المنافاة بين المعية في الوجود للعلة والمعلول وبين تقدمها عليه فهما مختلفان لا من جهة المعية بل من جهة أن وجوب وجود أحدهما بالآخر وليس وجوب وجود الآخر به فإنك تقول الشعاع من الشمس لا الشمس من الشعاع مع أنهما معا في الزمان وكذا في جانب العدم فعدماهما معا في الزمان أو نحوه ووجوب عدم أحدهما بالآخر لا العكس فالاختلاف بينهما من جهة والاتفاق من جهة آخر لكن بقي هاهنا إشكال وهو أن القوم ذكروا في معنى الحدوث الذاتي وجهين الأول أن كل ممكن فإنه لذاته يستحق العدم ومن غيره يستحق الوجود وما بالذات أقدم مما بالغير فالعدم في حقه أقدم من الوجود تقدما بالذات فيكون محدثا فيرد عليه أنه لا يجوز أن يقال الممكن يستحق العدم من ذاته فإنه لو استحق العدم لذاته لكان ممتنع الوجود لا ممكن الوجود بل الممكن ما لا يصدق عليه من حيث هو أنه موجود ولا أنه ليس بموجود والفرق بين الاعتبارين ثابت بل كما أنه يستحق الوجود من علته فإنه يستحق العدم أيضا من عدم علته وإذا كان كذلك ولم يكن لا الوجود ولا العدم من مقتضيات الماهية فلم يكن لعدمه تقدم ذاتي على وجوده والوجه الثاني أن كل ممكن الوجود فإن ماهية مغايرة لوجوده وكل ما كان كذلك امتنع أن يكون وجوده من الماهية وإلا لكانت الماهية موجودة قبل كونها موجودة فإذن لا بد أن يكون وجوده مسبوقا بغيره بالذات وكل ما كان كذلك كان محدثا بالذات وبهذا يعلم أن القديم بالذات لا ماهية له كما سيجيء ذكره في الفصل الرابع من المقالة الثامنة ويرد عليه أيضا أن الممكن كما أن وجوده مستفاد من الغير فكذلك عدمه أيضا مستفاد من الغير فكما لا يلزم من كون عدمه من الغير أن يكون وجوده في مرتبة الغير سابقا على عدمه فكذلك لا يلزم من كون وجوده من الغير أن يكون عدمه سابقا على وجوده وأيضا مبدأ وجود الشيء ومنبعه كيف يكون فاقدا لذلك الوجود وعادما إياه وبالجملة لا بد في معنى الحدوث والتأخر والبعدية أن يكون المتأخر والحادث مسبوقا بعدم زماني أو ذاتي ولا يكفي كون الوجود غير حاصل في تلك المرتبة أو في ذلك الزمان وإلا لكان كل ما ليس وجوده في مرتبة وجود الآخر أو في زمانه متأخرا عنه بالذات أو بالزمان وإن كانا متكافئين أو معين قال المحقق الطوسي في شرح الإشارات عند قول الشيخ هناك كل موجود عن غيره يستحق العدم لو انفرد أو لا يكون له وجود لو انفرد بهذه العبارة أن الماهية المجردة عن الاعتبارات لا ثبوت له في الخارج فهي وإن كانت باعتبار العقل لا يخلو من أن يعتبر إلا مع وجود الغير أو مع عدمه أو لا يعتبر مع أحدهما لكن إذا قيست إلى الخارج لم يكن بين القسمين الأخيرين فرق لأنها إن لم يكن مع وجود الغير لم يكن أصلا فإذن انفرادها هو لا كونها وهذا معنى استحقاقها العدم وأما باعتبار العقل فانفرادها يقتضي تجريدها عن الوجود والعدم معا ولفظة لا يكون له وجود في قول الشيخ ليست بمعنى
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 159 | صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )