تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
مع بعدها عن الادراك الحسى في الجوهر والماهية كالزمان والوجود ، والوجود في ذلك اظهر من كل ظاهر واخفى من كل خفى بجهة وجهة . اما ظهوره فلأن كل من يشعر بذاته يشعر بوجوده وكل من شعر بفعله شعر معه بذاته الفاعلة ووجودها ووجود ما يوجد عنها ويصدر من الفعل . فمن يشعر بذاته يشعر بالوجود اعني وجود ذاته . ومن شعر بفعله يشعر بالفعل والفاعل ووجود هذا لا يشك خواص الناس وعوامهم في ذلك ولا يخفى عن ضعيفى التصور منهم وكذلك الزمان يشعر به كل انسان أو أكثر الناس جملة ويشعرون بيومه وامسه وغده وبالجملة ما مضى زمانه ومستقبله وبعيده وقريبه وان لم يعرف جوهر الزمان وماهيته . وكذلك الوجود يشعرون بانيته وان لم يشعروا بماهيته وكل ما يشعر به شاعر ويعلمه عالم فقد ادركه ، وكلما يدركه مدرك فهو موجود وكل موجود اما ان يكون وجوده في الأعيان واما ان يكون وجوده في الأذهان واما ان يكون فيهما ، والموجود في الأذهان موجود في الأعيان أيضا من جهة انه موجود في موجود في الأعيان اعني الأذهان التي هي موجودة في الأعيان والوجود يعرفه العارفون معرفة أولية ومع معرفتهم بكل موجود وكل معدوم ، وقد قلنا أن كلما يعرفه عارف فهو موجود فالوجود موجود بهذا الاعتبار وكيف لا وكلما ليس بموجود فهو معدوم فكيف يكون الوجود الذي به يوجد الموجود معدوما أو ليس بموجود فإن كان الوجود موجودا فالموجود موجود ووجود ذلك الوجود أيضا يكون موجودا فيكون الموجود موجودا بالوجود والوجود بالوجود فيذهب إلى غير النهاية أو ينتهى إلى وجود هو موجود لذاته لا بوجود يتصف به فهذا وجود موجود لا محالة ، وقولنا لمثل هذا انه موجود ليس معناه تركيب صفة وموصوف اى موجود له وجود بل موجود ذاته هي الوجود كاللون الأبيض لا كالجسم الأبيض فان الجسم الأبيض انما هو ابيض بلون هو البياض واللون الأبيض هو ابيض بذاته لا بلون أيضا فذات اللون الموجودة هي البياض الموجود واللون هو صفة ذهنية