التوحيد لواجب الوجود بذاته .
فقال القدميون بل الخالق الأول الواحد القديم هو خالق المخلوقات بأسرها من قديم وحديث وحده لا شريك له في وجوده « 1 » وخلقه وملكه وأمره .
وتشعب رأيهم في ذلك إلى مذهبين ، فمنهم من قال إنه خلق الأشياء القديمة دائمة الوجود بدوام جوده والحوادث شيئا بعد شئ أراد فخلق وخلق فأراد فأوجب خلقه ارادته وأوجب ارادته خلقه . مثال ذلك أنه أراد خلق آدم الذي هو الأب فخلقه وأوجده واقتضى وجود الأب من جوده « 2 » وجود الابن أراد فجاد وجاد فأراد إرادة بعد إرادة لموجود بعد موجود ، فإذا قلتم لم أوجد ؟ قيل لأنه أراد فجاد ، ولم أراد ؟ قيل ، لأنه أوجد ، فوجود الحوادث يقتضى بعضه بعضا من جوده السابق اللاحق .
فان قالوا كيف تحدث له الإرادة بعد الإرادة وكيف تكون له حال منتظرة تكون بعد أن لم تكن وكيف يكون محل الحوادث ؟
قيل وكيف كان محلا لغير الحوادث اعني الإرادة القديمة ؟ فان قيل لأنها له منه قيل والإرادات الحادثة له منه . فان قيل إن الإرادة القديمة له في قدمه ؟
قيل والحديثة له من قدمه لان السابق من جوده بالإرادة السابقة أوجب عنده إرادة لاحقة فأحدث خلفا بعد خلق بإرادة بعد إرادة وجبت في حكمته من خلقه بعد خلقه فاللاحق من ارادته وجب عن سابق ارادته بتوسط مراداته وهكذا هلم جرا والتنزيه عن الإرادة الحادثة كالتنزيه عن الإرادة القديمة في كونه محلا لها لكنه لا وجه لهذا التنزيه كما سنتكلم عليه في فصل العلم إذا قلنا في علمه بما يعلم وكيف يعلم فهذا أحد المذهبين .
واما المذهب الآخر . فان أهله يقولون إن كل حادث يتجدد بعد عدمه فله سبب يوجب حدوثه وذلك السبب حادث أيضا حتى ترتقى أسباب الحوادث إلى الحركة الدائمة في المتحركات الدائمة الحركة التي قدمها حدث وحدثها قدم اعني الحركة فان الحركة معناها ومعقولها حدث ابدا لأن الذي يعقل منها
هامش
( 1 ) صف - جوده
( 2 ) كو وجوده