بحيث يدرك هو صفته التي له في ذاته وبذاته . ثم نرى ان من الأشياء ما يدركها مدرك ويعجز عن ادراكها مدرك آخر ولا يكون كونها بحيث لا ينالها المدرك الذي عجز عن ادراكها فلم يدركها قادحا في وجودها بل هي موجودة سواء أدركها أو لم يدركها فيجوز ان يكون من الموجودات ما لا يدرك أولا يدركه بعض المدركين فان الادراك ليس شرطا في الوجود وانما الوجود شرط في الادراك الا ان اعتراف العارف بوجود الموجود وعلمه به انما يكون من ادراكه له فلا يصح ان يحد الموجود بأنه المدرك ولا بأنه الذي يصح ان يدرك وان كانت المعرفة به حصلت بالادراك بل الوجود والموجود من الكلمات التي تدرك معانيها بأوائل المعارف من جهة الادراك والمعرفة كما قلنا فلا يحتاج إلى حد يشرح الاسم . اللهم الا كما تفسر اللغات وتنقل من واحدة إلى أخرى .
وقد حد الموجود قوم وقالوا إنه الذي يفعل أو ينفعل أو كلاهما ومعرفة الفعل كمعرفة الموجود لا يصلح ان يعرف أحدهما بالآخر فان الشئ انما يعرف بما هو اعرف منه ولا شئ اعرف من الموجود الا المدرك والمعلوم فان بالادراك والعلم حصلت معرفة الموجود والعلم به وان كان القول بان الموجود هو الذي يفعل أو ينفعل أو كلاهما صادقا فإنه من الصدق الذي يحتاج إلى دليل وبرهان والتعريف الحدى والرسمي لا يكون بدليل وبرهان إذ لا يكون فيه موضع صدق ولا كذب لأنه شرح الاسم وما عناه العاني به .
والموجود كما قيل يقال على وجهين أحدهما موجود الأعيان والآخر موجود الأذهان وموجود الأعيان يعرف بالادراك ويدل بعض المدركين عليه بعضا ويهديه اليه حتى يشاركه في ادراكه وهو واحد بعينه مشترك لكثير من المدركين كالشمس التي يراها الناس وغيرهم واحدة بعينها لا تتكثر بادراكهم لها وليس كذلك الموجود في الأذهان فان الانسان الواحد ينفرد بادراك ما في ذهنه خاصة ولا يشاركه انسان آخر فيه وان شاركه فإنما يشاركه بان يدرك في ذهنه مثل الذي أدرك صاحبه في ذهنه ولا يكون هو هو فان أحدنا إذا تخيل
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 21
مساهمون: ابو البركات
ص٢١