العلة شبيهة بمعلولها القريب وان الاستدلال يتم ويصح للعقل من أحدهما على الآخر فكما ان في عالم الإلهية وعالم الروح مبادى للنفوس الانسانية على اختلاف طبقاتها كذلك في عالم الروح مبادى وعلل للنفوس الحيوانية الأخرى والنباتية والقوى المعدنية على اختلاف أنواعها وأصنافها فلكل نفس من النفوس الشريرة والخيرة الحكمية والجاهلة والقوية والضعيفة والشريفة والخسيسة مبدأ يناسبها ويقرب من مشابهتها ففي عالم الأرواح أصناف من ذلك مختلفة الأنواع كما كانت هذه المحسوسة مختلفة الغرائز والطباع وكما أن الشريفة الفاضلة من النفوس بغريزتها وكمالها الاكتسابى تلقى في عالم الإلهية وعالم الروح ما يناسبها وتسعد بلقائه ونيله كذلك الخسيسة الناقصة تلقى ما ينافيها ويؤذيها وتشقى به فتسعد النفوس الكاملة بالوصول إلى المطلوب المحبوب وبالخلاص من المؤذى المكروه وتشقى النفوس الناقصة بفقد المطلوب المحبوب ومقاساة المؤذى المكروه .
وهذه المناسبة والمباينة تكون بالغريزة الأصلية وبالحالات الاكتسابية العلمية والعملية فالعلمية ما ذكرنا والعملية ما يستقر كالملكة في النفس ويعرفها به العارفون من عالم الربوبية من حيث يناسب به الأشرف ويقرب اليه ويزلف لديه وشر يبعد عنه ويبغض اليه وتفصيل هذا يكون في الفن الذي سمته الحكماء بالحكمة العملية وقد جاءت أصوله وجمله وتفاصيله في العلوم الشرعية فالنفس الشريفة بغريزتها السعيدة تكسبها الفاضلة بعلمها ومعرفتها المقدسة بنزاهتها إذا فارقت البدن فارقته إلى جوار ما يناسبها ومن يناسبها في عالم القدس من الملائكة المقربين الذين لهم الحياة الفاضلة والسعادة الحقيقة واللذة القدسية العقلية التي لا يصح الاخبار عنها لمن لا يعرف أنموذجا منها كما قيل في علم النفس والنفس الخسيسة بطباعها الشقية بنجاستها وتدنسها الناقصة بجهلها تفارق البدن إلى جوار ما تكره مما يؤذيها ومن يبغضها ويعاديها ويلتفت عنها ويزدريها من الملائكة الذين يعرفون من أحوال الناس وافعالهم في عالمهم هذا ما يؤاخذونهم به في منقلبهم وحياتهم تلك فيكون
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 216
مساهمون: ابو البركات
ص٢١٦