البعض ما جاءت فيه الأوامر والنواهي الشرعية كل ملة على رأيها ويوجبه في كل شئ سوى ذلك .
والذين أوجبوه في الكل فمنهم من رده إلى سابق علم اللّه تعالى واحاطته في القدم بكل شيء مما يتصور في الأذهان ويوجد في الأعيان مما هو كائن ومما يكون ومما قد كان . ومنهم من ينسبه إلى حركات الأفلاك وكواكبها الجارية على نظام لا يتغير فلا يتغير ما يتسبب عنه أيضا ، والذين سلبوه عن الكل فمنهم الذين لا يقولون بخالق قديم للعالم ويردون أسباب الوجود إلى الطبائع التي لا تعقل ما تفعل وإلى البخت والاتفاق أو إلى المحبة والغلبة اللذين يرجعان إلى البخت والاتفاق أيضا ، ومن هؤلاء أصحاب الاجزاء التي لا تتجزى يجعلونها الأسباب الهيولانية المتحركة ويجعلون المحبة والغلبة الأسباب الفاعلية المحركة ومرجعها إلى البخت والاتفاق ، وقد نوقضوا وجودلوا بكلام طويل نستغني عن ذكره بما سبق من البيانات في اظهار الآراء الحقيقة ونصرتها وابطال ما سواها مما منا قضتها تحصل بقصد ثان وبطريق العرض فان من يتعاطى اشباع الكلام في كل كلام لا يتناهى كلامه .
وقد اتضح مما قيل إن للعالم بأسره خالقا واحدا قديما هو المبدأ الأول الذي لا مبدأ له والغاية القصوى التي لا غاية بعدها ومبدأ الكل من عنده واليه يتوجه ويعود وأنه واحد بالعدد وبالذات وبالمعنى لا يتركب من أشياء ولا يتجزى إلى أشياء . وان البخت والاتفاق يجريان في مسبباته بالعرض حيث يعارض طبيعيها لطبيعيها واراديها لاراديها وطبيعيها لاراديها واراديها لطبيعيها معارضة لا تنحصر بدايتها ولا تتحد نهايتها حتى يحيط بها علم عالم وان علم اللّه تعالى لا يحيط بها بأسرها معا لكونها مما لا يحاط به فان ما يحيط به العلم يتناهى عند العالم بحصوله له وإحاطة علمه به وغير المتناهى إذا أحاط به علم فقد تناهى وغير المتناهى لا يكون متناهيا فالاستحالة والامتناع من جانب المقدور عليه لا من جانب القادر وقدرته لكنه يحيط منها علما بما يشاء كما يشاء حيث يشاء ويلتفت إلى
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 193
مساهمون: ابو البركات
ص١٩٣