ما يشاء ويعرض عما يشاء فيتصرف في خلقه بإرادته التي لا ترد وقدرته التي لا تعجز وحكمته التي لا تغلط . والذي سبق من رد القائلين بعموم القضاء والقدر على الذين اخرجوا منه ما فيه الأوامر الشرعية حيث الزموهم في حجتهم القائلة بالعدل والجور في عدلهم على الوجه الذي قالوا فيه بالعدل والذي هربوا فيه من الجور .
ولا تثبت مقالتهم في العموم بابطال مقالة أولئك في الخصوص المعين على الوجه المعين عليه في رأيهم بل تبطل مقالتهم أيضا من جهة قولهم بان العلم السابق في الأزل وهو علم الأول تعالى الذي يحيط بما لا يتناهى بل بما لا يتناهى فيما لا يتناهى في التضعيف والتجزئة والزمان وان تلك الاستحالة والبطلان انما هي من جهة المعلوم لا من جهة العالم القادر على كل مقدور عليه فتبطل احالتهم على سابق العلم وما جرى به العلم في عموم القضاء وتفاصيل القدر بل القضاء يكون في أشياء مخصوصة وفي أزمان مخصوصة من دون القدر ويكونان معا في أزمان وأماكن وأنواع واشخاص مخصوصة دون حالات أخرى لأنه تعالى يقضى بما يشاء كما يشاء فيما يشاء ويقدر ما يشاء فيحيزه بالوجوب ويخرجه بالامكان إلى الضرورة ويترك ما عداه مما لا يتناهى كما يشاء وكلما يسبق في القضاء ويتجدد في القدر بسابق العلم فقد خرج عن حيز الامكان وتعينت الأسباب الموجبة وغلبت على الأسباب المانعة فنفذت فيه المشيئة فلا مرد له .
واعلم أن العلم الحق يريده العالم لعينه وحقيقته والباطل المحال يرده لبطلانه واستحالته فإذا انضاف إلى العلم المحقق علم حقيقة في صواب العمل كان الربح في علمه والخسران في جهله مضاعفا وهو في هاتين المسألتين وهما القول في علم اللّه تعالى ومعرفته بخلقه والقول بالقضاء والقدر السابق في علمه من خلقه ربح وخسارة يعظم خطرهما كما قيل فان الذي يعتقد ان الخالق تعالى يطلع على أحوال العالم وافعالهم يوجب عليه علمه الاحتياط والتحري في علمه للحياء والخوف من خالقه والذي لا يعتقد ذلك يركض في ميدان جهله ويسلم قياده إلى طبعه ويعدل
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 194
مساهمون: ابو البركات
ص١٩٤