من شئ ولا ينحل إلى شئ سوى الاجزاء التي يتجزى إليها بالتفصيل فإن كان هناك اجزاء لا تتجزى فهو الهيولى الأولى وقد تكلمنا على ذلك في الطبيعيات .
وقلنا إن الذين ابطلوا وجود الاجزاء التي لا تتجزى انما ابطلوا ذلك في التجزى الوهمي الفرضي فقالوا ان من قال إن الجسم ينتهى في التجزئة إلى اجزاء لا تقبل التجزى فرضا ووهما فقد أبطل وكان هذا قد صح لهم بحججهم . فاما ان لا يتجزى بالفعل والقسمة المفرقة فما أبطلوه مع ظنهم انهم أبطلوه بل أوضحنا نحن ان الأرض لها اجزاء لا تقبل التجزى لأنها لا شئ اصلب منها فيجزيها وانما يتجزى المركب من اجزاء أرضية ومائية فتقع القسمة والتفصيل في الاجزاء المائية أو بينها وبين الاجزاء المائية أو في الاجزاء الهوائية والنارية ان خالطتهما والا فالاجزاء الأول التي هي الأرضية لا تتجزى لأنه لا مجزى لها فان المجزى والفاصل يحتاج ان يكون اصلب واكثف من المفصول لمجزى والنار لا تحرقها بل تسخنها والحرارة تصعدها من غير أن تفرقها لكن هذه الاجزاء ليست هيولى أولى لغير الأرض وما يتركب منها ومعها وانما الهيولات الأول للتركيب في الكون والفساد هي هذه الأربع بأسرها أو الخمس مع الثلج على ما ذكرنا ويمكن أن تكون منها بسائط أخرى كالدهن الذي يمكن ان يكون عنصرا بين الماء والهواء وكالذهب الذي لا نراه ينحل إلى عناصر أخرى لكن العنصر المشترك بالفرض والتصور والمعنى والمعقول الجامع هو الجسم المطلق يدل على ما قلنا .
وقد عارض فيه قوم وقالوا إن الجسم ليس هو الهيولى الأولى بل له هيولى هو مركب منها ومن صورة يكون مجموعهما هو الجسم المحسوس وقالوا ما معناه ان الهيولى شئ غير محسوس في ذاته يقبل الابعاد والتقدير فيصير بذلك جسما كما يقبل الجسم الصور والاعراض والهيولى فلا هي في ذاتها منقسمة ولا يلزمها الانقسام اعني لا هي مقدار ولا ذات مقدار . واما الصورة فهي غير منقسمة ويلزمها قبول الانقسام اعني ليست هي المقدار بل المقدار لازم لها .
وفصلوا هذا بان قالوا إن هذه الصورة هي التي بها الجسم موضوع لوجود
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 196
مساهمون: ابو البركات
ص١٩٦