معرفة كيفية صدور الخلق عنه ووجود بداية الوجود من عنده فنكون قد عدنا بنظرنا من حيث انتهينا إلى حيث ابتدأنا وأخذنا من العلة إلى المعلول كما انتهينا من المعلول إلى العلة ان كان ذلك يكون لنا اليه سبيل ونجد عليه في مذهب النظر حجة ودليلا لما تقدره الأذهان وتحدسه الافهام ويجوزه الامكان النظري والتفكر العقلي فان معرفة الموجودات بطريق الاستدلال لا تعطى كنه المعرفة كما لا يتساوى الخبر والعيان وانما يعرف الأشياء على حقيقتها من ابتداءها وانشاءها وجمع مركباتها من مفرداتها واظهر من عللها معلولاتها ، ألا ترى ان الواحد منا لو خلط دواء مركبا من أدوية كثيرة مفردة لما أمكن ان يعرفه كما هو بمفرداته ومقاديرها فيه الا الذي ركبه وخلطه ودقه وعجنه فكيف والامر اخفى وأعلى من أن يضرب له المثال من هذا فانا ضربنا المثال من محسوسات ومحسوس ومعروفات ومعروف تصح تجربته كما صحت تجربتها والتصرف فيه بالتحليل والتفريق والتصعيد ونحو ذلك من التصرفات التي يتصرف فيها البشر بصنايعهم فيفرقون بين الذهب والفضة والنحاس المسبوكة المخلوطة معا ويخلصون المفردات من التركيب هكذا ، فكيف لهم بذلك فيما يرى بالعين ولا يبلغ اليه « 1 » تصرفنا كالسماوات وكواكبها أو فيما لا يرى بالعين من الأرواح والقوى التي نعرف منها ما نعرف بطريق الاستدلال من افعالها التي نراها ، فكيف لنا بما لا نرى له ذاتا ولا فعلا ومن لنا بان نرى كل موجود أو نرى فعله الخاص به الدال عليه وقد صح عندنا ان ما لا نراه أكثر وجودا وعددا في الذوات والخواص والافعال مما نرى لكنا نتشبث من ذلك بما يبلغ اليه اجتهادنا بنظرنا وتنتهى اليه قدرتنا في تأملنا من جملة لا نعرف لها تفصيلا وكلا لا نعرف له اجزاء ومعرفة مشتركة لا نهتدى فيها إلى التمييز فلا نترك لأجل ما لا نقدر عليه ما نقدر عليه وهذا هو الذي قاله ارسطوطاليس في فاتحة كلامه في الإلهيات ان علم الحق لا يقتدر عليه بحسب ما يستحقه واحد من الناس لا ولا يستعسر على جميع الناس أقول ولا يستعسر جميعه على جميع الناس فان نسبة علم البشر إلى العلم باسره كنسبة نوع البشر
هامش
( 1 ) صف - فيه .