لان معنى الروية في هذا الموضع هو ان يتقدم العلم الفعل ثم بعد العلم تكون الإرادة والعزيمة وهي حالة بها يكون الفاعل فاعلا بعد ما لم يكن بعدية اما بالذات أو بالزمان ولو خلا الفاعل عنها لما فعل فهذا معنى الإرادة في هذا الموضع .
والفاعل بالطبع هو الذي ذاته سبب فعله ومصدر فعله عن ذاته لا عن حالة أخرى صادرة عن ذاته أو عن غير ذاته موجبة للفعل سواء علم بما فعل أو لم يعلم بعد ان لا يكون العلم هو الموجب لصدور الفعل عنه فان الانسان تصدر عنه افعال بعضها لا يعلم به ولا يشعر كهضم الطعام وتنفيذه في أعضائه فإنه فعل يصدر عنه فيه فهو عنه بالطبيعة ويصدر عنه العطاس والسعال والجوع والعطش ويشعر بها مع كونها افعالا تصدر عن ذاته في ذاته لكنه يشعر بها ويعلم وليس العلم سبب الفعل فهذا ؟ ؟ ؟ ن آخر . واصطلحوا على أن يقال إنه بالطبع أو بالطباع وفرقوا بينه وبين الأول بالتصريف فقالوا عن الأول انه بالطبيعة ثم تصدر عنه افعال بعد علم سابق يتبع ذلك العلم حالة يشعر بها عن ذاته في ذاته توجب الفعل وتكون سببا لصدوره عنه وهي الإرادة كالكاتب فيما يكتب والقائل فيما يقول بفكره ورويته فالله تعالى خالق الخلق ومبدأه الأول لا محالة بل المبدأ الأول هو وفي الخلق نظام وحكمة تسوق الافعال المتفننة إلى غايات ونهايات تتفق عندها كما تتفق الافعال الحسية والطبيعية والطباعية والإرادية من الانسان على غاية واحدة هي حياته وبقاؤه الذي قدر له فبشهوته يطلب الغذاء وبطبعه يهضمه وبإرادته يحصله ويأكله وبرويته يختاره ويميزه ويقدره ويوفيه وبحسه يدرك موافقه من ملائمه فقد اتفقت الافعال المختلفة فيه مما بالطبيعة ومما بالطبع والطباع ومما بالرؤية والإرادة على غاية واحدة هي حياته في الدنيا . وهكذا ترى في الاشخاص المختلفة واحدا يحرث ويزرع وآخر يحصد ويطحن ويخبز وآخر ينسج ثوبا وآخر يتخذ مأوى ومسكنا وآخر يجلب من موضع إلى موضع فيخبز الخباز للزارع الحاصد ويزرع ويحصد الزارع والحاصد للخباز وهؤلاء لمتخذ الكن ومتخذ الكن لهؤلاء فتجتمع الافعال عند النظام الذي يسوق إلى غاية هي
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 103
مساهمون: ابو البركات
ص١٠٣