بالذات وايجاد الموجودات بأسرها هو فعله الصادر عن ذاته وقد قيل إن الفعل يصدر عن الذات بحسب الحالات والصفات الجود عن الجواد والقدرة عن القادر والحكمة عن الحكيم فهو جواد قبل ان يجود والا لما جادو حكيم قبل ان يحكم ويحكم والا لما احكم ولا حكم .
ولا يمكن قائلا متصورا ان يقول إن جاعلا جعل الاثنين زوجا ولا الثلاثة فردا أو الزوايا الثلث من المثلث مساوية لقائمتين بل يقول إن موجدا أوجد الاثنين والثلاثة والمثلث وحيث أوجد الاثنين فقد أوجدها زوجا ولا يمكن ان يوجدها اثنين وتكون غير زوج والثلاثة وتكون غير فرد والمثلث وهو غير مساوى الزوايا الثلث لقائمتين ولا يحتاج ان يوجد لها ذلك بعد ان أوجدها فإنه لها بها ومنها من حيث هي كذلك ، فالصفات المستعارة في الأشياء تدل على صفات غير مستعارة في أشياء ولا تستمر العارية إلى ما لا يتناهى ولا يكون دورا فان السابق في الوجود لا يدور على اللاحق كما قلنا في العلل والمعلولات وامكان الوجود ووجوب وجوده في الموجودات . ويقال إن الافعال تصدر عن الذوات كما قيل بالطبع والخاصية لكن ليس كل فعل عن كل فاعل بل من الافعال ما يكون مصدرها الإرادة المخالفة للطبيعة أو الموافقة لها أو التي هي غير مقتضاها وان لم تخلف ولم توافق والإرادة تكون من صفات الذوات الفعالة ولا تكون بإرادة فيتسلسل إلى غير النهاية أو يدور دورا على ما قلنا في العلل والمعلولات واتضحت استحالته فيها ، فان كانت إرادة بإرادة فالأولى بغير إرادة ولا بد من أولى إذ لا تذهب الأسباب والمسببات إلى غير النهاية فالإرادة الأولى بالطبع لا بإرادة ونعنى بالطبع في هذا الموضع ما صدر عن الذات من ذاتها لا من مؤثر وفاعل فعل فيها ولها بحيث لا تتحكم الإرادة في اصداره ومنعه فالإرادة لا تتحكم في الإرادة وان تحكمت فلا تتحكم في الإرادة الأولى فالإرادة الأولى بغير إرادة من الفاعل بل هي بالطبع بالذات عن الذات ولها وكل فاعل متفنن الافعال تنساق افعاله إلى نظام واتفاق على غرض مقصود ونهاية محدودة لها بأسرها فهو فاعل بالرؤية
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 102
مساهمون: ابو البركات
ص١٠٢