يجب أن يكون مقصورا للأشياء ، ومتصرفا بها ادراكا حاضرا بالفعل ، لأن كل كمال يحصل منه شئ لشئ ، فحصول ذلك الكمال لذلك المفيد ، أولى من حصوله لذلك المستفيد . فذلك الوجود الذي هو العلة لحصول هذه المعارف والعلوم في نفوسنا ، يجب أن يكون هو أولى بأن يكون موصوفا بهذا الكمال . ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون مبدأ حدوث هذه العلوم والمعارف لبعض النفوس شيئا ، والمبدأ لحصولها لطائفة أخرى من النفوس شيئا آخر ؟ وذلك لأن الجوهر الواحد كاف في ذلك . ولا حاجة في هذا ( إلى ) التكثير .
فهذا ما يمكن أن يقال في تقرير هذه المقدمات .
وأعلم : أن هذه الكلمات بعد ضم هذه الزيادات إليها في غاية الضعف . أما الكلام المبنى على الخسة والشرف . فقد عرفت « 22 » أنه ليس في غاية القوة . وأما قوله : لا يجوز أن يكون المؤثر في حصول هذه المعارف هو اللّه - تعالى - لأنه واحد . والواحد لا يصدر عنه الا الواحد . فنقول : والعقل الفعل موجود واحد في ذاته ، فكيف تصدر عنه هذه المعارف التي لا نهاية لها ، والنفوس التي لا نهاية لها ؟
فان قالوا : الصادر عنه انما هو الوجود . والوجود شئ واحد في نفسه ، وانما يتعدد بحسب تعدد الماهيات . فنقول : هذا بناء على أن تأثير العلة الفاعلة في وجود المعلول لا في ماهيته . وقد أبطلنا ذلك في سائر الكتب . ثم إن سلمنا ذلك ، لكنا نقول : فإذا جوزتم ذلك ، فلم لا يجوز أن يقال : الصادر عن المبدأ الأول - سبحانه - هو الوجود فقط ؟ وأما تعدد الموجودات فإنما يكون بحسب تعدد الماهيات والقوابل .
ثم إن سلمنا أن مبدأ هذه المعارف موجود مجرد غير اللّه - تعالى - فلم قلتم :
ان ذلك الموجود يجب أن يكون مدركا للحقائق وعالما بها ؟ ( ل ) قوله :
« علة الكمال أولى بذلك الكمال » قلنا : هذا الكلام خطابي . وذلك لأنه ليس كل ما كان علة لشئ ، فإنه يلزم كونه موصوفا بذلك المعلول .
هامش
( 22 ) وقد عرفته : ص .