حيث هو ناطق . فاحدى القوتين لدفع الضار ، والثانية لجذب الضروري والنافع »
التفسير : هاهنا مسائل :
المسألة الأولى
اعلم : أن الحركة الاختيارية لها مبادئ مرتبة بعضها على بعض في أربع مراتب :
فالمرتبة الأولى - وهي أبعد المراتب - هي أن يعتقد الحيوان كون الفعل الفلاني مشتملا على ما يميل الطبع اليه ، أو على ما ينفر الطبع عنه ، أو لا يعتقد فيه واحدا من هذين الأمرين ثم إن ذلك الاعتقاد قد يكون اعتقادا حقيقيا علميا ، وقد يكون اعتقادا ظنيا ، وقد يكون محض الاعتقاد العاري عن سبب يوجبه . بل هو محض اعتقاد حصل في الذهن لا لموجب .
واعلم : أنه ما لم يحصل اعتقاد كونه نافعا أو ضارا ، لم يقدم الحيوان على الفعل والترك . وانما سمى الفعل الحيواني فعلا اختياريا ، لأن الاختيار عبارة عن طلب الحيز . وهذا إشارة إلى ما ذكرناه . فإذا لم يحصل لا اعتقاد كونه ضارا أو لا اعتقاد كونه نافعا ، امتنع الاقدام على الجذب أو الدفع . بلى يبقى على الحال الموجودة . فهذه هي المرتبة الأولى .
وأما المرتبة الثانية : فهي أنه إذا حصل اعتقاد كونه نافعا ، ترتب عليه حصول ميل إلى الجذب . وإذا حصل اعتقاد كونه ضارا ، ترتب عليه حصول ميل إلى الدفع . والميل إلى الجذب يسمى الشهوة ، والميل إلى الدفع ( يسمى ) بالغضب . وهذه هي المرتبة الثانية .
وأما المرتبة الثالثة : فقد ذكر في « الإشارات » : أنه عند حصول الشهوة يحصل اجماع على الفعل وعند حصول الغضب يحصل اجماع على الدفع . وهذه المرتبة لم تذكر هاهنا وهذا هو الأصوب . وذلك لأنه لا معنى للميول إلى الجذب الا الاجماع على الجذب ، ولا معنى للميل إلى الدفع الا الاجماع على الترك .