أما التشوش فيكون بسبب الحر ، وأما النقصان والبطلان فقد تكون بسبب البرد . وجميع هذه القوى المذكورة يحصل فيها هذه الأقسام الثلاثة .
وذلك أن البصر اما أن لا يرى . وذلك هو البطلان ، أو يرى رؤية ضعيفة . وذلك هو النقصان ، أو يرى الشئ على خلاف ما هو عليه .
وذلك هو التشوش . وكذا القول في سائر الحواس الخمس الظاهرة ، وفي الخمس الباطنة . فثبت : أن أفعال هذه القوى لا تتم الا بالأجسام ، وأنه متى تغيرت تلك الأجسام عن أمزجتها الموافقة لتلك الأفعال ، فان تلك الأفعال تختل أيضا . اما بالتشوش أو النقصان أو بالبطلان .
ولقائل أن يقول : ان هذا لا يدل على كون هذه القوى جسمانية في ذواتها ، لأنه من المحتمل أن تكون هذه الأجسام آلات للنفس في هذه الأفعال فان عند اختلاف هذه الأجسام تختل الافعال ، لأجل اختلاف تلك الآلات »
* * * قال الشيخ : « ويعرض لها أنها لا تحس بالكيفية التي من آلتها ، إذ لا آلة لها إلى آلتها . وانما تدرك بالآلة ويعرض لها أن لا تدرك فعلها . لأنه لا آلة لها إلى فعلها ، ويعرض لها أن لا تدرك ذاتها ، لأنها لا آلة لها إلى ذاتها » التفسير : هذه هي الحجة الثانية على أن هذه القوى لا تتم أفعالها الا بالأجسام . وتقريره : ان القوة الباصرة لا تدرك نفسها . وهذا يدل على أن ادراكها للأشياء موقوف على الآلة ، فلما امتنع أن يتوسط بينها وبين آلتها آلة ، وامتنع عليها أن تتوسط بينها وبين ادراكها آلة ، وامتنع أن يتوسط بينها وبين نفسها آلة ، لا جرم امتنع عليها أن تدرك آلتها ، وأن تدرك ادراكها ، وأن تدرك نفسها . فثبت : أن هذه القوى لا تتم . أفعالها الا بالأجسام .
ولقائل أن يقول : هذا الكلام ضعيف من وجهين :
الأول : لم لا يجوز أن يقال : الادراكات قسمان : ادراك يمكن تعقله بجميع الأشياء ، وادراك لا يمكن تعقله بجميع الأشياء . فالقوة
شرح عيون الحكمة — صفحة 259
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٥٩