الخط الخارج من العين بالشرط المذكور إلى رأس الانسان : قاطعا لهذا المستطيل لا بنصفين ، ويكون الانسان يرى في هذه الحالة أعظم من نصف قائمة . فثبت بهذا البرهان القاطع : أنه لا يلزم من كون زاوية الابصار أصغر ، أن يرى المرئى أصغر ، ولا من كونها كبيرة أن يرى المرئى كبيرا .
الوجه الثالث في بيان أنه لا يلزم من صغر زاوية الابصار أن يرى المرئى أصغر : انا إذا أدركنا شيئا على قرب نصف ذراع ، ثم تباعد عنا مقدار خمسة أذرع . فإنه لا يتفاوت مقداره في الادراك . مع أن التفاوت الواقع في الزاوية كثير جدا . فلو كان التفاوت في صغر الزاوية وكبرها هو الموجب لأن يرى الشئ أصغر مما كان ، لما كان الأمر على ما ذكرنا .
فثبت بهذه الدلائل الثلاثة : أنه لا يجوز أن يكون السبب في أن يرى الشئ أصغر مما هو عليه في نفسه : صغر الزاوية التي يحصل فيها الانطباع .
وهنا آخر الكلام في الاستدلال على فساد القول بالشعاع .
واعلم : أنه لم يثبت بالبرهان القاطع : أن الابصار اما أن يكون بالانطباع أو بالشعاع . وإذا لم يثبت هذا الحصر ، فحينئذ لا يلزم من بطلان القول بالشعاع أن يكون القول بالانطباع حقا . فهب أن القول بالشعاع باطل ، لكن لا يلزم منه صحة القول بالانطباع - على مذهب « الشيخ » - وأعلم : أن القائلين بالشعاع احتجوا على فساد القول بالانطباع من وجوه :
الحجة الأولى : هي أن بديهة العقل حاكمة بأن انطباع الصورة العظيمة في المحل الصغير محال عقلا . ونحن إذا فتحنا العين فانا نبصر نصف العالم . فلو كان الابصار عبارة عن الانطباع ، لزم أن تنطبع صورة نصف كرة العالم في نقطة الناظر . وذلك لا يقوله عاقل . والعجب :
أن أصحاب الانطباع شنعوا على أصحاب الشعاع . وقالوا : كيف يعقل أن يخرج من نقطه الناظر شعاع يتصل بنصف كرة العالم ؟ وهذا القول
شرح عيون الحكمة — صفحة 240
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٤٠