أن يقال : التفريق عدم . والعدم لا يكون محسوسا ، والحرارة محسوسة ، فالحرارة كيفية زائدة على التفريق .
المبحث الثاني : ان خاصية البرد : تحذير الحس وابطاله . وإذا كان الأمر كذلك ، وجب أن يقال : انه لا برد الا وهو يوجب نوع تحذير ، قل أو كثر ، والتحذير بطلان كمال القوة الحساسة ، فيرجع حاصل الأمر إلى أن البرد مانع من الاحساس ، فكيف يقال : البرد كيفية محسوسة ؟ بل يحتمل أن يقال : انه إذا حصل البرد منع من الاحساس . فعدم الاحساس لما حصل بعد الاحساس يظن أنه احساس ، كمن انتقل من الضوء إلى الظلمة ، فإنه ربما يظن أنه يرى الظلمة .
وليس الأمر كذلك بل رؤية الظلمة لا معنى لها الا عدم الرؤية . فكذا هاهنا .
المبحث الثالث : قد ذكرنا أن الرطوبة عندهم مفسرة بكون الجسم بحيث لا مانع فيه من قبول الأشكال القريبة ، ولا من تركها . فنقول : هذا عبارة عن عدم المانع ، والعدم لا يكون في الحقيقة محسوسا .
وأيضا : فبتقدير أن تكون الرطوبة كيفية وجودية ، الا أنها غير محسوسة .
والدليل عليه : فأن الهواء الواقف إذا كان خاليا عن الحر والبرد والحركة والغبار ، فإنه يظن به أنه خلاء صرف وعدم محض ، إلى أن يقوم البرهان على أن الخلاء ممتنع . ولو كانت هذه محسوسة لكنا نعلم بالضرورة :
أن هذا ملاء لا خلاء . وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا : أن هذه الكيفية غير محسوسة لهذا السبب .
قال « الشيخ » في كتاب « القانون » في فصل الاسطقسات في نعرف الماء للخصوص « وطبيعة إذا خليت ولم يوجد ما يمنعها عن الأثر ، ظهر عنه برد محسوس ، أو حالة هي رطوبة » فحكم على البرد بكونه مخصوصا محسوسا ولم يقل عن الرطوبة أنها محسوسة ، بل قال : أو حالة هي رطوبة ، هذا إذا فسرنا الرطوبة بسهولة قبول الأشكال . أما إذا فسرناها بالبلة . وهو سهولة الالتصاق بالغير ، فههنا لا يبعد ادعاء أنها كيفية محسوسة .
شرح عيون الحكمة — صفحة 223
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٢٣