واعلم : أن الكل محتمل . ولم يقم الدليل القاطع على أحد النقيضين . والذي قيل في بيان أنه يمتنع وجود حاسة سادسة - وهو أن الطبيعة لا تنتقل من درجة إلى درجة أخرى ، الا بعد استبقاء جميع الأقسام الممكنة - فهو كلام خطابي ضعيف . واعلم : أن جماعة من العلماء قطعوا بحصول نوع سادس من الادراك ، وهو القوة التي بها يحصل ادراك الألم واللذة . وذلك لأن تصور ماهية الألم واللذة قد يكون حاصلا لمن لم يكن ملتذا ولا متألما . وهذا معلوم بالبديهة . فثبت :
أن تصور ماهية الألم واللذة مغاير لادراك الألم واللذة . وأيضا : فادراك الألم واللذة ليس من جنس الابصار أو السماع أو الشم أو الذوق .
وظاهر أيضا أنه ليس من جنس اللمس . وذلك لأن الألم واللذة ليستا من جنس الكيفيات الملموسة ، بل قد تكون أسباب الألم واللذة من جنس الكيفيات الملموسة ، مثل مماسة النار ، فإنها مؤلة ، الا أن مماسة النار ، غير ، والألم المتولد من تلك المماسة غير . فإذا لمسنا النار وأدركنا بالقوة اللامسة تلك السخونة ، فحينئذ يحدث الألم . فالألم يحدث من ذلك اللمس لا أنه نفس ذلك اللمس أنه قد حصل في الادراكات الظاهرة نوع آخر سوى هذه الحواس الخمس .
المسألة الثالثة
اعلم : أن كلام « الشيخ » في حقيقة النفس الحيوانية مضطرب - وذلك لأنه يحتمل أن يقال : النفس الحيوانية شيء واحد ، وذلك الشيء موصوف بهذه القوى المدركة وهذه القوة المحركة . ويحتمل أيضا أن يقال : النفس الحيوانية ليست الا مجموع هذه القوى . وكلام « الشيخ » في هذا الموضوع مشعر بالقول الأول ، الا أن قوله : « ولهذه النفس قوتان مدركة ومحركة » صريح في أن النفس موصوفة بهاتين القوتين .
وهذا انما يصح لو كانت هذه النفس مغايرة لهذه القوة ، الا انه لم يذكر في شئ من كتبه دليلا يدل على وجود شئ مغاير لهذه القوى موصوف بها ، ولم يذكر لذلك الشئ خاصية ، باعتبارها تمتاز عن هذه القوى .
فبقى هذا القول مجهولا .
* * *