رطبه ويابسه محكما شديدا لا تقوى النار على تفريق أحدهما عن الآخر ، وفيه دهنية قوية لأجلها يقبل الانطراق .
وأما القسم الثاني - وهو الذائب المشتعل - ففيه أيضا رطوبة ويبوسة ودهنية . ولكن المزاج غير مستحكم . ولأجله قويت النار على التفريق بين ما فيه من الرطب واليابس . وذلك هو الاشتعال .
وأما القسم الثالث - وهو الذائب الذي ينحل بالرطوبة فذلك لاستيلاء المائية على مزاجه ، ولكون ذلك التركيب غير مستحكم المزاج .
وأما القسم الرابع - وهو الرطب الذي لا يذوب كالزئبق - فالسبب فيه : استيلاء الأجزاء الرطبة على ذلك المزاج ، مع أن الامتزاج بين الأجزاء الرطبة واليابسة محكم لا تقوى النار على تفريقها .
وأما القسم الرابع - وهو الرطب الذي لا يذوب كالزئبق - وأشباهه فذلك لاستيلاء الأجزاء اليابسة على ذلك المزاج ، مع أن ذلك الامتزاج بين الأجزاء اليابسة والرطبة محكم ، فلا تقوى النار على تفريقها أيضا .
واعلم : أن هذه الأحكام ظنون وحسابات ، ولا يمكن تقريرها بالبراهين اليقينية ، بل لا سبيل إلى طريق الحكم فيها الا على طريق الأولى والاخلق بحسب الحدس والحساب .
ولنرجع إلى تفسير ألفاظ الكتاب أما قوله « فمنها ما يذوب ولا يشتعل مثل الذهب والفضة ، فان الغالب عليها المائية » ولقائل أن يقول : لا ينبغي أن يقال : ان الذي يذوب ولا يشتعل ، يكون مثل الذهب والفضة . فان الذي يذوب ولا يشتعل قسمان :
أحدهما : ما ينحل بالرطوبة . كالأملاح والزاجات .
والثاني : ما ينطرق وهو مثل : الذهب والفضة أيضا . وهذا القسم لا ينبغي أن يقال : الغالب عليه المائية ، بل الغالب عليه الدهنية اللزجة . ولولا هذه الرطوبة لما كان قابلا للانطراق . وأما قوله :
شرح عيون الحكمة — صفحة 210
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢١٠