ولقائل أن يقول : هذه الطريقة انما تقوى وتكمل بالبحث عن أمور :
أحدها : أن نعتبر أن طريقة التركيب والتحليل هل تجرى في الكل أم لا ؟ فانا لم نشاهد أن الذهب انما يتولد في معدنه بسبب اجتماع أجزاء العناصر ، ولم تشاهد أن الذهب عند تسلط النار عليه يتحلل إلى أجزاء الأجسام العنصرية . ولم نشاهد ذلك في الياقوت . وبالجملة : فاعتبار التركيب والتحليل في البعض لا يفيد الحكم في الكل ، الا على سبيل الظن الضعيف .
وثانيها : ان هذا الدليل لا يفي ببيان أن جسم النار « اسطقس » لهذه المركبات . وذلك لأن تولد هذه المركبات من امتزاج الأرض بالماء والهواء ، انما يكمل بتأثير الشمس وسائر الكواكب . فاما أن تدل طريقة التركيب والتحليل على أن جرم النار يصير جزءا من أجزاء أبدان الحيوان والنبات والمعادن ، فذاك كالمأيوس عنه . وقد بالغنا في شرح هذه المسألة في « الطب الكبير » الذي صنفناه .
وثالثها : أن طريقة التحليل والتركيب انما تتم باثبات المزاج وابطال قول أصحاب الخليط .
فهذا جملة الكلام في تقرير هذه الطريقة .
وأما « أرسطاطاليس » وأتباعه فهم سلكوا في اثبات أن « الاسطقسيات » هي هذه الأربعة طريقة أخرى . وهي التي ذكرها « الشيخ » في هذا الكتاب . وتقريرها : أن يقال : هذه « الاسطقسات » لا بد وأن تكون موصوفة بكيفيات توجب حصول الفعل والانفعال بينها . ثم إن المشاهدة تدل على أن الأجسام البسيطة خالية عن الكيفيات المطعومة والمذوقة والمشمومة . وأما الكيفيات المنضدة ، فالبسائط خالية عنها . وأما النار فسنقيم الدلالة على أنها غير ملونة ، وأما كون الهواء كذلك ، فذاك ظاهر .
وأما الماء أن لا يكون له لون ، أو يكون له لون ضعيف . وأما الأرض .
ففي الناس من قال : الأرض الخالصة ليس لها لون . ومنهم من سلم أن لها لونا لكننا نعلم أن اللون لا يعين على الفعل والانفعال الذي يوجب حدوث الوجه .
شرح عيون الحكمة — صفحة 183
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٨٣