أما المقام الأول . ف « الشيخ » لم يتكلم فيه أصلا . وزعم جمع عظيم من القدماء : أن « الاسطقس » الأول : أجزاء قابلة للقسمة الوهمية ، غير قابلة للقسمة الانفكاكية ، وهي في غاية الصغر ، وهي التي تسمى بالهباءات . وزعم أن هذه العناصر الأربعة انما تولدت عنها . ثم اختلفوا .
فزعم بعضهم : أن تلك الأجزاء مختلفة في الأشكال . فالأجزاء التي بكون شكلها شكل المخروط تكون نفاذة برأسها الحاد ، فيتولد من اجتماعها النار . والأجزاء التي يتكون شكلها شكل المكعب تكون غليظة ، ويتولد من اجتماعها الأرض . وذكروا أشكالا أخرى للماء والهواء والأفلاك .
ومنهم من يزعم أن تلك الأجزاء إذا اختلط بها خلاء كبير ، كانت تلك الأجزاء لطيفة مضطربة خفيفة ، وتكون لأجل لطائفها نفاذة في الغير ، فتصير حارة ، لأنه لا معنى للحرارة الا التفريق ، فيتولد عنها النار . فإن كان الخلاء المختلط بها أقل ، يتولد عنها الهواء ، ثم لا يزال تنتقص هذه الأحوال إلى أن يقل اختلاط الخلاء بها جدا ، فيتولد عنها جسم كثير الأجزاء جدا .
فيكون ثقيلا ، لاكتناز أجزائه ، فيكون ظلمانيا ، لأجل أن الخلاء لا يتخللها ، ويكون باردا لأجل أنها لا تقوى على الغوص والنفود . فهذان المذهبان نقلناهما في صفات تلك الهباءات . وقد ذكرنا فيها أقاويل أخر ، سوى هذين القولين . والاستقصاء في نقلها لا يليق بالمختصرات .
وأما المقام الثاني : وهو أن أجسام العالم انما تتولد وتحدث عن امتزاج هذه الأجرام الأربعة ، فكثير من القدماء نازعوا فيها . فقال « انكساغورس » : ان شيئا من الطبائع لا تحدث البتة ، بل هي بأسرها موجودة . فههنا أجزاء على طبيعة الخبز ، وأجزاء على طبيعة اللحم ، وأجزاء على طبيعة التفاح . وكذا القول في سائر الأجسام ، الا أن تلك الأجزاء تختلط بعضها بالبعض ، ولأجل ذلك الاختلاط لا تظهر تلك الطبائع فإذا انضم بعض تلك الأجزاء إلى البعض ، ظهر جسم كبير محسوس على تلك الطبيعة ، فيظن أن اللحم والخبز قد حدث . وليس الأمر كذلك .
بل ذلك كان كامنا بسبب صغر تلك الأجزاء فلما اجتمعت ظهرت . وهؤلاء هم الذين يسمون بأصحاب الخليط التي لا نهاية لها .
شرح عيون الحكمة — صفحة 181
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٨١