فلا جرم ( يكون ) الجسم الملتصق بالفلك هو أسخن الأجسام وألطفها . وهو النار . والجسم الذي يكون في المركز يكون في غاية البعد عن الفلك ، فلا جرم حصلت فيه البرودة . وذلك هو الأرض . ثم الجسم الذي حصل تحت النار ، كان أقل حرارة ولطافة من النار - وهو الهواء - والجسم الذي حصل فوق الأرض كان أقل بردا وكثافة من الأرض - وهو الماء - فحصل بسبب هذا المعنى ، هذا الترتيب البالغ في غاية الحكمة . وهو الأخذ من غاية السخونة واللطافة نازلا إلى البرد والكثافة ، حتى انتهى إلى الأرض ، التي هي الغاية في البرد والكثافة .
* * * قال الشيخ : « وأنت تعلم أن الأرض ترسب في الماء كما يرسب الماء في الهواء . فهما ثقيلان . لكن الأرض أثقل ، والهواء إذا حصل في الماء ( والأرض ) طفا ، أو صعد ، أن وجد منفذا . وخاليا في مكانه ، إذ يمتنع وقوع الخلاء . فالهواء خفيف والنار لا تثبت في الهواء ، بل تطفو إلى فوق . فالنار أخف من الهواء » التفسير : ان الأرض والماء يرسبان في الهواء ، فهما ثقيلان .
لكن الأرض ترسب في الماء ، فوجب أن تكون الأرض أثقل من الماء .
وأما الهواء فإنه إذا حصل في الماء طفا وصعد . ويدل عليه وجوه :
الأول : ان الزق المنفوخ . إذا غمس في الماء قسرا ، ثم زال القاسر ، طفا ذلك الزق .
الثاني : ان الكوز الذي يكون ضيق الرأس . إذا غمس في الماء قسرا ، ودخل الماء فيه ، ظهرت البقابق . وذلك يدل على أن الهواء يصعد من الماء .
الثالث : الماء إذا غلى ، حتى حدث الهواء في داخله . فان ذلك الهواء المتولد في داخله يرتفع وينفصل . وذلك هو البخار .
شرح عيون الحكمة — صفحة 175
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٥