التفسير : انه أثبت فيها تقدم : أن الزمان ليس له أول ولا آخر ، وأثبت : أنه مقدار الحركة ، وانتج منهما : اثبات حركة أزلية أبدية . ثم بين أن كل حركة فلا بد لها من محرك . ثم بين أن المحرك لا يجوز أن يكون قسريا ، والا لزم اثبات أجسام لا نهاية لها . وذلك باطل . ولا يجوز أن يكون طبيعيا ، لما ثبت أن القوة الجسمانية لا تقوى على أفعال غير متناهية .
فالقوة القوية على تلك الحركة الأزلية الأبدية ، يجب أن لا تكون جسمانية . وذلك يدل على أن موجد هذه الحركة الأزلية الأبدية ، لا يمكن أن يكون جسما ولا حالا في الجسم أصلا . وهذا هو الطريق المشهور في اثبات أن مدبر العالم الجسماني لا يكون جسما ولا جسمانيا . ولما ثبت ذلك يوجب أن لا يكون متحركا ولا ساكنا .
أما أنه ليس بمتحرك فظاهر . وأما أنه ليس بساكن ، فلأن السكون عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك . والذي من شأنه أن يتحرك هو الجسم أو الجسماني . فإذا لم يكن جسما ولا جسمانيا ، لم يكن من شأنه أن يتحرك ، وإذا كان كذلك ، امتنع كونه ساكنا .
المسألة الخامسة في بيان أن كل جسم فإنه لا ينفك في ذاته عما يكون مبدأ للحركة
قال الشيخ : « الأجسام لا تخلو في طبيعتها من مبدأ حركة .
وذلك لأن كل جسم أما أن يكون قابلا للنقل عن موضعه الطبيعي أو غير قابل . فإن كان قابلا فهو قابل للتحرك المستقيم ، فلا يخلو اما أن يكون في طباعه مبدأ يميل إلى مكانه الطبيعي أو لا يكون . لكنا شاهدنا بعض الأجسام في طباعها ميل إلى جهة من الجهات . وكل ما اشتد الميل قاوم المحرك بالقسر حتى تتفاوت النسب بتفاوت ما فيها من قوة الميل . فإن كان جسما لا ميل فيه قبل حركة قسرية . وكل حركة - كما علمت - في زمان ، كان لزمان تلك الحركة نسبة إلى زمان حركة جسم ذي ميل في طباعه بالقسر ، يكون في مثله حركة جسم ذي ميل ، لو قدر نسبة مثله