الحركة ، استدلوا على صحة قولهم بحجة خامسة . وتقريرها : أن ذات الحق - سبحانه - منزهة عن الحركة والتغير ، ثم انا نعلم بالضرورة :
أنه - سبحانه وتعالى - كان موجودا قبل وجود هذا اليوم ، وأنه الآن موجود مع هذا اليوم ، وأنه سيبقى بعد انقضاء هذا اليوم . ولما صدق عليه - سبحانه - أنه كان ، وأنه الآن كائن ، وأنه سيكون . ثبت :
أن هذه المفهومات لا تعلق لها البتة بالحركة والتغير .
وأيضا : فالجواهر العقلية موجودات مجردة عن الحركة ولواحقها .
ثم إنه يصدق عليها أنها موجودة مع الباري - تعالى - دائمة الوجود بدوام وجوده . وكيف لا نقول ذلك ومدار دليل الفلاسفة في اثبات واجب الوجود على أن المعلول لا بد وأن يكون موجودا مع العلة وأن لا يكون متأخرا عنها البتة ؟ فثبت : أن مفهوم المعية حاصل هاهنا ، مع أن الحركة والتغير ممتنعة الحصول هاهنا . وذلك يدل على أن الأمر الذي لأجله يحصل معنى القبلية والمعية والبعدية ، حاصل في الموضع الذي يمتنع حصول معنى الحركة والتغير فيه . وذلك يقتضى أن يكون حصول معنى القبلية والبعدية والمعية ، لا تعلق له بالحركة .
وإذا عرفت هذا فنقول : الفصل الذي ذكره « الشيخ » هاهنا يصلح أن يكون جوابا عن هذه الحجة . وتقريره : أن يقال : نسبة المتغير إلى المتغير هو الزمان . ونسبة الثابت إلى المتغير هو الدهر . ونسبة الثابت إلى الثابت هو السرمد . هذا حاصل هذا الكلام .
واعلم : أنه ليس فيه كبير فائدة . وذلك لأنا قد دللنا على أن المفهوم من القبلية والبعدية والمعية ، معنى حاصل في هذا الموضع الذي لا تثبت معنى الحركة والتغير فيه . وذلك يقتضى أن يكون حصول معنى القبلية والمعية والبعدية ، لا يتوقف على حصول الحركة والتغير . وهذا برهان قاطع على حصول هذا المطلوب ، ولا دافع له الا أن يقول : انه - تعالى - واجب الوجود لذاته ، ممتنع العدم لذاته ، لكنه ما كان موجودا قبل هذا اليوم وليس موجودا مع هذا اليوم ، ولا يبقى موجودا بعد هذا اليوم ، الا أن فساد هذا القول معلوم بالضرورة . لأن الذي
شرح عيون الحكمة — صفحة 146
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٤٦