قال الشيخ : « وكما أن الشئ الذي في العدد ، اما مبدؤه كالوحدة ( واما ) قسيمه كالزوج والفرد ، وأما معدوده . كذلك الشئ في الزمان . منه ما هو مبدؤه كالآن . ومنه ما هو جزؤه كالماضى والمستقبل .
ومنه ما هو معدوده ومقدره . وهو الحركة » التفسير : القائلون بأن الزمان لا يجوز أن يكون عبارة عن مقدار الحركة ، استدلوا على صحة قولهم بحجة ثالثة . وتقريرها أن نقول :
لو حصل لمقدار الحركة وجود ، لكان اما أن يكون حاصلا في الحال أو في الماضي أو المستقبل . والأول باطل ، لأن الحال الحاضر لا يقبل الانقسام . والزمان منقسم . وحصول المنقسم في غير المنقسم محال .
والثاني والثالث محال لوجهين :
الأول : هو أن الماضي والمستقبل معدومان . ولا شئ من المعدوم بموجود . ينتج : فلا شئ من الماضي والمستقبل بموجود .
والثاني : هو أن الماضي هو الذي كان حاضرا ثم انقضى . والمستقبل هو الذي يتوقع حضوره ، الا أنه لم يحضر . ولكن الحاضر من الآنات المتتالية ، ليس الآن الذي لا ينقسم . فالماضى والمستقبل ليس الا الآنات الحاضرة ، فيلزم كون الزمان مركبا من الآنات المتتالية . وذلك عند القوم محال . فثبت : أن مقدار الحركة لو كان موجودا ، لكان وجوده اما أن يكون في الحال أو في الماضي أو في المستقبل ، وثبت أن كل هذه الأقسام باطل ، فيلزم أن يقال : لا وجود لمقدار الحركة . وهذا كلام قوى في الالزام على الفلاسفة .
وإذا عرفت هذا فنقول : الكلام الذي ذكره « الشيخ » في هذا الفصل يصلح أن يكون جوابا عن هذه الحجة . وتقريره : أن يقال : ليس الآن جزءا من أجزاء الزمان ، بل هو مبدأ لحصول الزمان . وذلك لأن الآن شئ غير منقسم ، ثم إنه بسيلانه وحركته يفعل الزمان ، كما أن النقطة تفعل بسيلانها وحركتها الخط . والزمان هو الذي ينقسم إلى الماضي
شرح عيون الحكمة — صفحة 143
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٤٣