التي لها فتقهر شهوة أو غضبا أو خوفا من غيرها ) التفسير قال الامام الشارح رضى اللّه عنه وأرضاه بناء هذا الباب على مقدمتين إحداهما ان النفس الناطقة ليست جسما ولا جسمانية وقد مر بيان ذلك وثانيهما ان الهيئات النفسانية قد تكون مبادى لحدوث الحادثات في الأبدان مع كون النفس مباينة لها وبين ذلك بأمور ثلاثة فاولها ان الانسان قد يمكنه المشي على خشبة موضوعة على الأرض ولو وضعت تلك الخشبة على طرف جدار لما تمكن من المشي عليها وما ذاك الا أن توهم السقوط يوجبه وثانيها ان أمزجة الناس تتغير بحسب فغير أحوالهم النفسانية من الغضب والحزن والخوف والفرح وذلك معلوم بالضرورة وثالثها ان التوهم الشديد للمرض أو للصحة ربما أوجب ذلك وهذا معلوم بالاختبار والاستقراء ورابعها انه ليس كل مسخن بحار فإن الحركة مسخن وهي غير حارة ولا كل مبرد ببارد فان القوة التي في الأفيون تبرد فوق تبرد الماء مع أن الأفيون مركب والماء بسيط وقوة الكيفية في البسيط أقوى منها في المركب وإذا ثبت ذلك فلا يستبعد أن يكون لبعض النفوس خاصية لأجلها يتمكن من التصرف في عنصر هذا العالم وتكون تلك النفوس لكلية عنصر هذا العالم كنفسنا بالنسبة إلى بدننا ولا يستبعد أيضا أن يتعدى تأثير تلك النفس إلى سائر النفوس حتى تصير سائر النفوس لاتصالها بها على قوته مثل ذلك التصرف أو ما يقرب منه وإذا ثبت أن هذا المعنى محتمل في جوهر النفس فإذا انضمت الرياضات اليه أعنى كسر قوى الشهوة والغضب فلا شك انها تصير حينئذ أقوى هذا حاصل هذا الفصل ولقائل أن يقول هذه الوجوه التي ذكرتموها لا تفيد القطع بصحة وجود هذه النفس التي تذكرونها لأنه ليس إذا كان توهم السقوط موجبا له وتوهم الصحة والمرض قد يكون موجبا لهما ولسائر الانفعالات النفسانية موجبة أنواعا مخصوصة من تغيرات المزاج لزم من ذلك القطع بوجود النفس الناطقة تقوى على التصرف في كلية العالم العنصري لان النفس الناطقة مخالفة بالماهية لهذه القوى لاخر ولا يلزم من ثبوت حكم الشيء ثبوت حكم أقوى وأجل من الحكم الأول لشيء آخر يخالف الشيء الأول فلئن قلتم ليس غرضنا من ذكر هذه الوجوه إقامة البرهان على القطع بصحة وجود هذه النفس بل إزالة الاستبعاد وبيان أنه ليس في العقل ما ينافيه قلنا فاذن يرجع حاصل ما ذكرتموه هاهنا إلى أنه لا دليل على صحته وعلى امتناعه وذلك يوجب التوقف لا القطع بالصحة وأيضا فقد بنيتم هذه المسألة على اثبات النفس الناطقة وليس الامر كذلك لان التوهم الموجب للسقوط قوة جسمانية والتخيلات التي لأجلها يختلف حال المزاج وهي الغضب والفرح والغم جسمانية وإذا كان الامر كذلك فالاستدلال بكون هذه القوى الجسمانية موجبة لهذه التغيرات على تجويز أن يكون للبدن المخصوص خاصية معينة لأجلها يتمكن الانسان من التصرف في هذا العالم أولى من الاستدلال بذلك على تجويز أن يكون في النفوس الناطقة نفس قوى تقوى على ذلك اللهم الا إذا دلت دلالة منفصلة على أن النفس الناطقة ليست جسما ولا جسمانية فعلمنا أنه لا تعلق لاثبات هذا الاحتمال التي ذكرتموها باثبات تجرد النفس وعدم تجردها البتة وأصلا فقد تلخص مما ذكرنا أنه لا حاصل لهذا الفصل بعد حذف الأمور الخارجية وتحصيل الأمور المهملة الا أن يقال إن كون الانسان موصوفا بخاصيه لأجلها يتمكن من التصرف في هذا العالم العنصري أما في نفسه الناطقة أو في بدنه جائزا لا بمعنى القطع بصحته بل بمعنى أنه ليس عندنا ما يدل على امتناعه أصلا ومعلوم أن هذا القدر من الجواب لا يستدعى التطويل المذكور
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 140
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٤٠