بالضرورة كانت حقيقة وجود الباري تعالى معلومة بالضرورة ثم انا ندل على أنه يستحيل أن يكون وجوده مقارنا لماهية بل لا ماهية له الا ذلك الوجود فاذن يلزم أن تكون حقيقة الباري تعالى معلومة لنا فنقول لا شك أن من جعل مفهوم الوجود في الواجب والممكن أمرا واحدا فزعم أن ذلك المفهوم غير مفارق في حق الباري تعالى لماهية أخرى بعد ان زعم أن الوجود أولى التصور لزمه القطع بان حقيقة الباري تعالى أولية التصور ولكن الشان في صحة هذه المقدمات فانا سنبين ان شاء اللّه تعالى ان الذي يعتقد من أن وجود اللّه تعالى لا يمكن ان يكون مقارنا للماهية اعتقاد باطل خطأ وتقرر وجه فساد ذلك بالبراهين القاطعة والعجب ان الشيخ مع اصراره على هذه المقدمات الثلاثة يعترف بان حقيقة اللّه غير معلومة للبشر والبراهين القاطعة ناطقة بذلك أيضا فأي شيء يفهم هاهنا أليست بتلك المقدمات في انتاج شيء هم يعترفون بفساده ثم لئن وقعت المساعدة على أن كل ماهية مجردة فإنها يصح أن تكون معلومة فلم قلتم ان كل ما يصح أن يكون معقولا وحده صح أن يكون معقولا مع غيره فلعل من الماهيات المجردة ما لا يصح أن يعقل شيأ آخر مع تعقلها وكيف يحكم بامتناع ذلك من يكون ظاهر مذهبه ان العلم بالشيء والعلم بغيره لا يجتمعان ويتعذر أن يساعد على أن كل مجرد فإنه يصح أن يعقل مع غيره لكن لا بد من الدلالة على أن كل مجرد فإنه يصح أن يعقل مع كل ما عداه حتى يمكننا أن نفرع عليه أن كل مجرد فإنه يصح أن يعقل كل لأشياء لكن هذا المقام ليس ببديهى فلعل من الماهيات المجردة ما لا يصح أن يعقل مع تعقل بعض الأشياء وان صح تعقله مع تعقل سائر الأشياء ثم لئن وقعت المساعدة على أن كل ماهية مجردة فإنها يمكن أن تكون معقولة مع كل ما عداها لكن لم قلتم انه متى صح ذلك قد صح أن يكون ماهيتها مقارنة غيرها بلى لو ثبت ان العلم بالشيء يستدعى حصول ماهية المعلوم في العالم لكان ذلك لازما لكن الكلام فيه لئن وقعت المساعدة على أن كل ماهية مجردة فإنه لا يمتنع أن يقارنها سائر الماهيات فلم قلتم ان صحة هذه المقارنة حاصلة لها عند كونها في الخارج ولم لا يجوز ان يقال شرط هذه الصحة حلولها في النفس أن يقال إن وجودها الخارجي يكون مانعا من ذلك وأما قوله لو وقعت صحة هذه المقارنة على حصولها في النفس مع أن حصولها في النفس عبارة عن مقارنتها للنفس لزم آخر صحة الشيء عن وجوده وانه محال قلنا هذه مغالطة وبيانه وهو ان مقارنة الشيء لغيره على أقسام ثلاثة أحدها مقارنة الحال للمحل وثانيها مقارنة المحل للحال وثالثها مقارنة الحالين في محل واحد وإذا عرفت ذلك فنقول انا لما عقلنا شيئين عرفنا بذلك أنه يصح على ذينك ان يتقارنا مقارنة حالين في محل واحد وإذا رأينا شيأ حل في محل عرفنا بذلك أنه يصح على ذلك الحال ان يقارن غيره مقارنة الحال للمحل وعرفنا أيضا انه يصح على ذلك المحل ان يقارن غيره مقارنة المحل للحال وهذه الأنواع الثلاثة من المقارنة كأنها أنواع مختلفة تحت جنس واحد وهو أصل المقارنة ثم لا شك أن الشيء الذي يصح عليه نوع من جنس فإنه لا يجب أن يصح عليه سائر الأنواع من ذلك الجنس وكيف لا نقول ذلك والعرض يصح أن يقارن غيره مقارنة الحال للمحل من غير عكس والأقسام الأربعة من الجوهر يصح غيرها أن يقارن مقارنة المحل للحال من غير عكس وإذا عرفت ذلك فنقول انه لما ثبت الحجة ان التعقل يستدعى حصول ماهية المعقول في العاقل فإذا عقلنا شيئين علمنا أن الماهيتين المقولتين يقارنها في ذلك الجوهر مقارنة حالين في محل واحد فاردنا أن نبين أن صحة هذا النوع من المقارنة لا يتوقف على كون الماهية موجودة في العقل لم يكفنا في هذا قولنا ان صحة مقارنتها للجوهر العاقل لا يتوقف على حصولها فيه لان مقارنتها لمحلها مخالفة لمقارنتها لما حل في محلها فلا يلزم من عدم توقف النوع الأول من المقارنة على حلول الصورة في الجوهر العاقل عدم توقف النوع الثاني من المقارنة على حلول الصورة في الجوهر العاقل ثم بتقدير ان يثبت أن صحة مقارنتها مع ما يحل في محلها لا يتوقف على حلولها في الجوهر العاقل فإنه لا يلزم من ذلك صحة النوع الثالث من المقارنة أعنى مقارنة المحل للحال
ومعلوم أنه انما يعقل غيره إذا كان هو مقارنا لذلك الغير مقارنة المحل للحال فقد يخص الكلام المذكور في هذا المقام مغالطة صرفة ولئن وقعت المساعدة على أن هذه الأنواع الثلاثة من المقارنة متساوية في تمام
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 171
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧١