الماهية ولكن لا يلزم من صحة منكم على ماهيته عند كونها ذهنية صحة ذلك الحكم عليها عند كونها خارجية فان الانسان الذهني حال في المحل محتاج إلى الموضوع والانسان الخارجي يستحيل أن يكون كذلك والانسان الخارجي قائم بذاته حساس متحرك بالإرادة محسوس بالحواس الخمسة والانسان الذهني ليس كذلك فعلمنا أنه ليس كل ما صح على ماهية حال كونها ذهنية وجب أن يصح عليها ذلك حال كونها خارجية فلا يلزم من صحة كون الماهية الذهنية مقارنة للمعقولات صحة كون الماهية الخارجية كذلك ثم لئن وقعت المساعدة على أن الماهية عند وجودها الخارجي يصح عليها المقارنة لكن لم لا يجوز أن يلزمه يمنع عن ذلك كما أن الحيوانية التي في الانسان لأجل كونها مساوية للحيوانية التي في الفرس لا بد وأن تكون مستعدة لقبول فصل الفرس الا أن فصله اللازم له في وجوده وهو الناطق صار مانعا من ذلك فكذلك هاهنا يجوز أن تكون الماهية عند وجودها الخارجي يصح عليها أن يقارنها غيرها الا أنه يلزمها والحال هذه لازم يمنع عن ذلك لمن يجيب عنه بانا بينا أنه لا مانع من التعقل الا المادة وكلامنا في المجرد فإذا ليس له مانع من صحة هذه المقارنة ولكنا نعلم ضعف هذا الجواب ثم لئن وقعت المساعدة على أن كل مجرد فإنه يصح أن يقارن سائر الماهيات على الاطلاق لكن لم قلتم أنه متى صح ذلك لزم صحة كون ذلك المجرد عالما بما عداه بلى لو ثبت أن العلم والادراك هو نفس هذه المقارنة لكان المقصود حاصلا ولكن الاشكال ما مضى فهذه جملة الشكوك على هذه الحجة ولنرجع الآن إلى شرح المتن أما قوله كل شيء يعقل شيأ فإنه يعقل بالقوة القريبة من الفعل أنه يعقله فالمراد منه أن كل من عقل غيره فإنه لا يستحيل أن يعقل من نفسه كونه عاقلا لغيره واعلم أن على لفظ الشيخ استدراكا فان القوة وان كانت قريبة من الفعل الا أنها تكون لا محالة مقارنة للعدم لان القوة لفظة مرادفة للامكان المقارن للعدم ولذلك يقولون القوة طبيعة عدمية وإذا كان كذلك فليس كل من عقل شيا عقل بالقوة القريبة من الفعل أنه عقله فان من الأشياء ما يكون لفعله كونه عاقلا بالفعل المحض ويكون منزها عن طبيعة القوة القريبة والبعيدة كالبارى عز اسمه والمفارقات وإذا كان كذلك لم يجز أن يقال كل من عقل شيأ فإنه يعقل بالقوة القريبة من الفعل أنه يعقل بل يجب أن يقال كل من عقل شيأ فإنه يمكن أن يعقل انه يعقل ذلك الشيء ويكون المراد بهذا الامكان الامكان العام حتى يتناول ما يكون ذلك التعقل في حقه واجب الحصول كالبارى تعالى وما لا يكون كذلك بل يكون بالقوة القريبة من الفعل كما في حقنا وأما قوله وذلك عقل منه لذاته فالمراد منه أن كل من عقل أنه يعقل غيره فقد عقل أن ذاته موصوفة بكونها عاقلة للغير ومن عقل اتصاف شيء بشيء فلا بدّ وان يعرف الموصوف والصفة معا وقد بينا أن هذه المقدمة وان كانت ضرورية لكنها لا تستمر على مذهبه واعلم أن على اللفظ استدراكا وهو أن قوله عقل منه لذاته توهم أن عقل الشيء لكونه عاقلا لغيره هو نفس عقله لذاته وليس الامر كذلك فان علمي باني عالم بشيء علم متعلق نسبة مخصوصة بين ذاتي وبين العلم بشيء والعلم بتلك النسبة مغاير للعلم بكل واحد من المنتسبين فكيف يجوز أن يقال العلم بتلك النسبة هو العلم بذاتى بل الواجب أن يقال علمي بكونى عالما بشيء يتضمن أو يلتزم علمي بذاتى وأما قوله فكل ما يعقل شيأ فله أن يعقل ذاته ينتج كل ما يعقل شيأ له أن يعقل ذاته وأما قوله وكل ما يعقل شيأ فمن شأن ماهيته أن يقارن معقولا آخر فالمراد منه بيان أن كل ما صح أن يكون معقولا فإنه يمكن أن يقارن ماهيته ماهية معقول آخر وأما قوله ولذلك يعقل مع غيره وانما يعقله القوة العاقلة بالمقارنة فالمراد منه الاستدلال على الدعوى التي ذكرها وذلك لان كل ما صح أن يكون معقولا في نفسه صح أن يكون معقولا مع غيره فقد حصلت ماهيته مع ماهية غيره في الجوهر العاقل وذلك هو المقارنة وأما قوله فإن كان ما يقوم بذاته فلا مانع له من حقيقته أن يقارن المعنى المعقول فالمراد منه أنه لما ثبت أن المجرد لا يمتنع على ماهيته أن يقارن غيرها
فإذا فرضنا تلك الماهية موجودة في الخارج قائمة بذاتها وجب أن يصح عليها أن يقارنها تلك الماهيات لأنها لما عرفنا في بعض الأحوال أن تلك الماهية يصح أن يقارنها بسائر الماهيات فحيث ما حصلت تلك الماهية سواء حصلت في الذهن أو في الخارج وجب أن يصح عليها تلك المقارنة ثم إنه لم يبين هاهنا أن تلك الصحة غير موقوفة على الوجود الذهني أو لا يمنع عنها الوجود الخارجي لأنه أورد فصلا للكلام في ذلك على ما سيأتي وأما قوله الا أن يكون ذاته ممنوة في الوجود بمعاوقة أمور مانعة عن ذلك من مادة أو شيء آخر ان كان فالمراد منه أن تلك الماهية يجب أن
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 172
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٢